أشعة من الفقه الإسلامي (3): الفقه والتشريع مدخلاً وتاريخاً مهني بن عمر التيواجني

أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع

الجزء ١ · صفحة ٢٦

ومن جانب آخر فإن عملية الاستفادة من القوانين السائدة، والتأثر بها تتطلب انتشار المؤلفات القانونية بين الفقهاء بصورة لا يمكن لأحد أن ينكرها كما هو الحال مع كتب الفلسفة والطبيعة والطب والفلك ونحوها … ولسائل أن يسأل لم لم يخجل أهل الفكر من نقلهم لهذه الكتب فتواتر أمرها، في حين امتنعوا عن ذكر مصادرهم القانونية المزعومة؟!!، ونحن نعلم أن أول كتاب في القانون قد ترجم إلى اللغة العربية بأيدي وأقلام نصرانية إنما كان في القرن الحادي عشر الميلادي، وقد كان الفقه الإسلامي وقتها قد بلغ قمة تطوره

واكتمل بناؤه وتحددت معالمه بالمجهود الخالص والمستقل لفقهاء الإسلام. ونظرة فاحصة في مصدر الفقه الإسلامي ومضمونه، مقارنة مع القانون الروماني، تؤكد التباين التام في جل القضايا والمسائل. ففي ما يتعلق بالتشريع الإسلامي فإن مصدره الوحي الالهي، وهو شامل للعبادات، بل والعقيدة عند البعض، إضافة إلى المعاملات ومساواة الناس أمام القضاء، أما القانون الروماني فإنه يقوم على مجرد العقل والعرف؛ ثم هو لا يتدخل في القضايا التعبدية فضلا عن القضايا العقدية لأنه يقول بمبدإ «اعط ما لقيصر القيصر وما الله الله والناس عنده سادة ورعاع ولكل حكم … وإلى جانب هذا فإن الخلاف بين الفقه والقانون ظاهر في مسألة الرشد والأهلية

وموانع الزواج والمهر والتبني والمواريث والوقف والشفعة وفي ختام هذه الكلمة الموجزة نقرر أن البحث التاريخي والموضوعي يؤكدان إستقلالية الفقه الإسلامي عن كل ما عداه من أنظمة قانونية، فهو أصيل في مواضيعه وأحكامه ومنهج عرضها، وأن دعوى التأثر بل الاستعارة لها أبعادها الدينية والسياسية، وذات دوافع وأغراض لاعلاقة لها بالعلم الرصين الذي يدعيه مثيرو الشبهات.

- 26 -