أشعة من الفقه الإسلامي (3): الفقه والتشريع مدخلاً وتاريخاً مهني بن عمر التيواجني

أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع

الجزء ١ · صفحة ٣٩

رأيهم في فهم الحادثة ثم ربطوها بما يناسبها من روح النص أو القاعدة العامة

المستفادة منه.

واستعمال الرأي ليس جديدا عليهم. بل أخذوه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) واستعملوه على عهده وأقرهم عليه، وإنما الجديد في ذلك توسعهم النسبي في الاعتماد على الرأي. ولم يكن الصحابة في ذلك على مستوى واحد وإنما كانوا يتفاوتون في اعتماده مصدرا من مصادر التشريع بين متوسع ومتشدد. كان سيدنا عمر ومثله ابن عباس وابن مسعود وكثير غيرهم من أصحاب الاتجاه الأول. وكان عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما من أصحاب الاتجاه الثاني الذين كانوا يخافون أن يقول الناس برأيهم في دين الله فيجانبوا الصواب ويتقولوا على الله، إلا أن الأولين لم يكونوا أقل خوفا من أولئك، فقد اتخذوا لمنهجهم الاجتهادي عدته من الاحتياط إلى جانب ما وهبهم الله من حس وحدس صائبين أساسهما العقيدة المترسخة في أعماق أعماق قلوبهم. ولعل السبب الذي دعاهم إلى أن يسلكوا هذا المسلك ما رأوه من كثرة الحوادث المستجدة غير المعهودة إلى جانب نصوص محدودة، لا يستجيب ظاهرها ونصها إلى ما تحتاج إليه من حكم شرعي، إضافة إلى أن الصحابة لم يكونوا على مستوى واحد من معرفتهم بالسنة النبوية التي منها ما شاع أمره بينهم، ومنها ما قيل أو فعل في حضرة القليلين منهم، وقد أثر أن عمر رضي الله عنه كان ينهى عن كثرة الرواية خوف التقول على رسول الله) ولو سهوا. ومن شدة احترازه في الرواية أنه كان يشترط الشهادة على ما ينقله الناس وينسبونه إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم). دعاهم كل هذا إلى التعويل على ما منحهم الله من قدرة عقلية على ربط الحوادث بفلسفة التشريع لاستنباط الحكم، ولكن قلما يفتي الواحد منهم قبل أن يعرض ما توصل إليه من حكم

_ ra_