أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع
الجزء ١ · صفحة ٤١- التشريع في عصر التابعين:
يبدأ عصر التابعين، بصورة تقريبية من الحدث السياسي المعروف بالفتنة الكبرى، أو قل تلك المأساة التي مكنت الأمويين من اغتصاب الحكم ممن اختارته الأمة بالبيعة الشرعية ليبدأ بذلك عصر الاستبداد الطويل. وقد سبب هذا الحدث شرخا في الأمة فقسمها إلى اتجاهين متعارضين سياسيا: اتجاه الأكثرية الصامتة التي آثرت، بسبب الصدمة السكوت وترك ما لقيصر لقيصر نتيجة اليأس والإحباط. ورأى معظم أصحاب هذا الاتجاه مداراة المتسلطين على الحكم أفضل وأسلم، وأقنعوا أنفسهم بأن السلطان الغشوم خير من فتنة تدوم». وأما الاتجاه الثاني، ويمثله عدد أقل من الأول، رفض أصحابه الاستسلام ورفعوا لواء النضال لإعادة ما اغتصب لأصحابه الشرعيين بنفس السلاح. وقد كان هذا الاتجاه بدوره منقسما إلى فريقين متباينين، إن لم يكونا متضادين إلا أنها أمام عدو واحد. يمثل الفريق الاول الناجون من واقعة النهروان أو الشراة، ويمثل الفريق الثاني المتشيعون لعلي بن أبي طالب من أهل العراق، الذين يطالبون بالثأر له وعودة الحكم إلى بنيه.
لقد اختار المهادنون للسلطة الجديدة إسما مجيبا إلى قلوب العامة والدهماء من الناس، وهو في الوقت نفسه تبرير نفسي لموقفهم السلبي، فخلعوا على أنفسهم إسم أهل السنة والجماعة تماما كما فعل ملوك بني أمية وبني العباس من بعدهم حين تسموا باسم «الخليفة» و «أمير المؤمنين» لنفس الغرض من استمالة قلوب الرعية. ثم أطلق «أهل السنة والجماعة» بدورهم إسم الشيعة على المناضلين باسم الإمام علي، واسم «الخوارج» على المناضلين باسم أمة الإسلام. وقد تسمى هؤلاء الأخيرون بأسماء عدة
___ {\ ___