أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع
الجزء ١ · صفحة ٤٢فهم أهل النهروان» و «أهل النخيلة» و «جماعة المسلمين» و «الشراة» وكانوا يعتبرون أنفسهم ممثلين لضمير الأمة المغتال.
في هذه الظروف المأساوية كان عصر صغار الصحابة والتابعين التشريعي. حروب أهلية طاحنة أنتجت مواقف سياسية متباينة، ولدت بدورها آراء عقدية متناقضة، ومنها نشأت تحزبات وفرق، لا يطمئن بعضها إلى بعض إلا بمقدار. وفي هذا العهد زادت رقعة البلاد اتساعا وتفرق من تبقى من الصحابة في الأمصار الجديدة وخاصة العراق والشام، وآثر البعض البقاء في الحجاز، وتحمل هؤلاء جميعا مسؤولية نشر ما عندهم من علم بالكتاب والسنة وأقوال كبار الصحابة وفتاويهم وآثارهم بنسب
متفاوتة، وأقبل الناس يروون عنهم؛ كل ذلك لينقلوه لمن يأتي بعدهم. ومن آثار التمزق السياسي على التشريع، أنه بسبب تلك الفتن ضعف الوازع الديني، وبدا لبعض الناس، لدوافع وأغراض عدة، اختراع أقوال ينسبونها إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويزعمون روايتها عنه، وقد عرفت هذه الظاهرة بمسألة وضع الحديث». وكان أكثر الناس اختراعا للأحاديث إنما هم فئات القصاص والوعاظ والمتعصبين عقديا، والمتزلفين للسلطان ممن ينتمون إلى أهل السنة والجماعة، حتى أصبحت هذه الظاهرة خطرا على المصدر الثاني من مصادر التشريع، فتتزعزعت ثقة الفقهاء والمجتهدين في السنة، وظهر اتجاه تشريعي يحترز كثيرا من الاعتماد عليها في استنباط الأحكام، وكان هذا الحذر، ولأسباب موضوعية، متفاوتا بين الأمصار. ففي العراق (البصرة والكوفة) كان الحذر أكثر منه في الحجاز. ونتيجة لهذا، توسع أهل العراق في الرأي، وأعطوا العقل مساحة أكبر في فهم النصوص والغوص عن معانيها وعللها ومقاصدها … وأطلق على منهجهم مدرسة الرأي. أما في المدينة
_ EY_