أشعة من الفقه الإسلامي (3): الفقه والتشريع مدخلاً وتاريخاً مهني بن عمر التيواجني

أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع

الجزء ١ · صفحة ٤٥

للفقه الأول. وكان الإمام جابر بن زيد التابعي الجليل، وأحد أشهر تلاميذ ابن عباس، هو الذي أرسى القواعد الأولى لهذا الفقه الذي سيتطور على يد تلاميذه وتلاميذهم من بعده؛ إذ يعود إليهم الفضل في نشره وتدوينه والسير على نهجه التشريعي. وسنفرد لهذه المدرسة الفقهية الخاصة حيزا من عملنا هذا لمزيد تعريف بها وبيان لمكانتها ومساهماتها. أما الفقه الشيعي فيمثله الإمامية الجعفرية والزيدية. وتعود أصول هذه المدرسة إلى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين المعروف (بجعفر الصادق) (80 - 148 هـ) في أحد جناحيها؛ وإلى زيد بن علي زين العابدين (80 - 122 هـ) في جناحها الثاني. وقد واصل تلاميذ الرجلين وأتباعهم السير على منهجهما تنظيرا وتطبيقا، فقها وعقيدة.

وإلى جانب المذهبين السالفي الذكر، ظهرت تباعا المذاهب الفقهية الأربعة التي كتب لها أن تنتشر بفضل مواقف أصحابها السياسية بالدرجة الأولى، فقد اختاروا طريق المهادنة وعدم الصدام مع الحكام المتعاقبين على سدة الحكم، فضمنوا لمذاهبهم أن تكون بدرجات متفاوتة مذاهب رسمية وشعبية موزعة جغرافيا على غير أساس موضوعي غير أساس التاريخ. وقد تصارعت فيما بينها صراعا خفيا كان للسياسة دور واضح فيه. وكانت نتيجته أن انتصر أحدها على غيره، وانظم إلى المذهب الغالب أتباع المذهب المغلوب. وخير مثال على ذلك غلبة المذهب الحنبلي في بلاد الحجاز على المذهبين الشافعي والملكي، إذ لا يجب أن ننسى أن المدينة المنورة هي المهد الأول للمذهب الأخير، وأن إمامه كان يعرف بإمام دار الهجرة .. وكذا الأمر فيما بعد حين فرض المذهب الحنفي منافسا للمذهبين المالكي والشافعي في الولايات العثمانية، حين اختارت الحكومة في الأستانة المذهب الحنفي مذهبا

_20_