أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع
الجزء ١ · صفحة ٥٣ثالثا: دور الركود بدأت مع مطلع القرن السادس الهجري، الصراعات السياسية الداخلية والخارجية، وكذا الاضطربات الاجتماعية، إضافة إلى عوامل أخرى تنهك العالم الإسلامي، ظهرت آثارها على كل المستويات بما فيها الحياة الفكرية، ومنها مجال الفقه والتشريع. فقد بدأ معه الانحدار التدريجي نحو الضعف والركود والجمود، واختلفت الصورة عما عرفته القرون السابقة تماما. فقد انطفأ نور الاجتهاد والاستقلالية النسبية، ودعا البعض إلى غلقه والاكتفاء بمجهود السلف بدعوى أنهم لم يتركوا شيئا للخلف، وما على هؤلاء إلا البحث فيما كتبه السابقون. ومن هنا أصبح التشريع كغيره قائما على تقليد أئمة المذاهب وعلمائها، فغاب الفقهاء وظهرت المتفقهة الذين أوقفوا حياتهم على خدمة كتب المذهب الذي يتبناه كل متفقه فتجذر الفقه المذهبي واعتني به اعتناء خاصا فرتبت كتب السابقين بتقسيم أبوابها وفصولها، وعللت الأحكام التي اجتهد الأئمة في استنباطها، وخرجت على أصول معتبرة مدعمة بالدليل، وكثر الترجيح بين الأقوال في المذهب الواحد، وتحديد المصطلحات التي ترتب الأحكام من حيث قوتها من راجح ومرجوح وصحيح وأصح ومشهور ومعمول به … وفي هذا الدور أيضا اهتم رجال الفقه بنسخ كتب المذهب والعمل على نشرها والدعاية لها كما تأصل بسبب كل ذلك التعصب المذهبي بين أهل العلم الذي أدى إلى مزيد من الفرقة بين المسلمين؛ وقد شجعت على ذلك المناظرات الفقهية المذهبية المدفوعة بحب الغلبة والحط من مكانة الخصم المزعوم، دون إدراك منهم أن هذا الصنيع إنما هو حرب على العلم نفسه. ولعل من الإيجابيات القليلة لتلك المناظرات ظهور كتب الفقه المقارن التي تبين نقاط الاتفاق والاختلاف
-