أشعة من الفقه الإسلامي (3): الفقه والتشريع مدخلاً وتاريخاً مهني بن عمر التيواجني

أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع

الجزء ١ · صفحة ٥٤

ويسمي

بين العلماء المجتهدين. وعلى إثر هذا ظهرت أيضا كتب علم الخلاف، واعتني بكتب الأصول. ولقد كان من اهتمامات متفقهة هذا الدور الحفظ الجاف لكتب مذاهبهم. وفي المدارس وحلقات العلم يقتصر الشيخ على تدريس كتاب معين لا يخرج عنه إلا نادرا. وفي ميدان الكتابة شغل الناس أوقاتهم باختصار المؤلفات السابقة، وصياغة الفقه في عبارات وألفاظ موجزة إلى حد المسخ والإلغاز، سميت هذه المختصرات متونا»، وقد تصاغ نثرا أو نظما، ثم يعود المختصر لها أو غيره بالشرح وكشف الألغاز، ثم يأتي من يشرح الشرح فيطلق على عمله اسم «الحاشية ثم يأتي من يعلق على «الحاشية» الفقه صنيعه «تقريرا». إن الصورة البائسة التي قدمناها عن والتشريع ما هي إلا تعبير صادق لواقع الأمة في تلك العهود، لأن الأوضاع السياسية والإجتماعية المتدهورة لا يمكن لها إلا أن تثمر فكرا هزيلا في أي مجال من مجالاته. وللإنصاف يجب أن ننبه إلى أن الدور الرابع من أدوار التشريع لم يكن خاليا من كل إيجابية أو فائدة، فنحن ـ فيما مر ـ قد عرضنا الطابع العام لذلك العهد، ومن العدل أن نسجل ما هو إيجابي، رغم محدوديته، فقد ظهر فيه علماء بارزون ثاروا على التقليد، وحاولوا التجديد، ورفضوا فكرة غلق باب الاجتهاد، وتركوا لنا آثارا رفعت من منزلتهم، وجعلتهم لا يقلون مكانة عن فقهاء العصر الذهبي والأمثلة على هذا، في كل المذاهب، ليست نادرة وإن لم تكن كثيرة. ومن فضل هذا الدور على الفقه أن تولى علماؤه تبليغنا أقوالا وآراء فقهية لم يكتب لمؤلفات أصحابها أن تصل إلينا، كما حافظوا على كتب كثيرة ضاعت نسخها الأصلية أو القريبة من عصر صاحبها؛ ولاريب

أن هذا العمل في حد ذاته ليس خاليا من كل فضل أو جهد.