أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع
الجزء ١ · صفحة ٦٣لابد للإمام جابر أن يستفيد من علم الصحابة الذين استقروا في العراق ولأسباب وجيهة كان علماء الكوفة والبصرة في أغلبهم من ذوي النزعة العقلية، فقد حمل ابن مسعود ـ رضي الله عنه - لواء مدرسة الرأي، ونهج طريقة عمر بن الخطاب الذي كان يتعشقه ويعجب بآرائه حتى روي عنه أنه قال: إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم. وإلى جانب ابن مسعود، كان أبو موسى الأشعري قد أقام في البصرة وكان يميل هو الآخر إلى الرأي. وقد أقام بالبصرة، بعد الصحابة، فقهاء كثيرون منهم عمر بن سلمة الجرمي، وقد أدرك النبي (صلى الله عليه وسلم) ولأبيه صحبة، وأبو مريم الحنفي وجابر بن زيد، وهؤلاء لقوا أكابر الصحابة
إن العنصر المؤثر في شخصية الإمام جابر أكثر من غيره إنما هو تتلمذه على الصحابي الجليل عبد الله بن عباس، هذه الصحبة التي لم تكن، في يوم من الأيام، موضع شك أو جدال. وقد أحب الإمام جابر ابن عباس، فسلك منهجه الفكري، وتلقى عنه تفسير القرآن فكان من علماء المسلمين العارفين به، واحتج بأقواله مجموعة من المفسرين، وأشادوا بآرائه في هذا المجال، واعتمدت روايته لترتيب نزول القرآن الكريم. وما من ريب أن ابن عباس، في تعامله مع القرآن الكريم، كان ينحو منحى عقليا، وهذا واضح فيما نقل عنه من أقوال وآراء، أو ما قرره تلاميذه من بعده مثل مجاهد وعكرمة … ومن الطبيعي أن يتبع الإمام جابر المنهج نفسه، وأن يكون للعقل في تفكيره بصفة عامة، وفي الفقه بصفة خاصة دور بارز وكان من الطبيعي أيضا أن يستعمل ابن عباس عقله في النصوص ولا يقف عند ظواهرها، بل كان يكلف نفسه، خلافا لابن عمر، التفتيش عن معانيها؛ ومع ذلك لم يكن يعطي العقل أكثر مما يستحق من حرية، فقد كان مبغضا للفقه الافتراضي حتى أنه
يروى عنه
-