أشعة من الفقه الإسلامي (3): الفقه والتشريع مدخلاً وتاريخاً مهني بن عمر التيواجني

أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع

الجزء ١ · صفحة ٦٤

قوله العكرمة: اذهب فافت الناس وأنا لك عون، فمن سألك عما يعنيه فافته، ومن سألك عمالا يعنيه فلا تفته. وقد كان ابن عباس ذا شخصية مستقلة، فكثيرا ماكان يخالف اجتهاد عمر، كما فعل في إنكار وقوع الطلاق الثلاث بلفظ، واحد في الوقت التي كان عمر يفتي به.

لقد انتقلت هذه الخصائص كلها العناية بالقرآن، استعمال العقل واستقلال الشخصية إلى الإمام جابر فهيأته ليكون إماما لمذهب مستقل، وهذا اما يفسر تبني الإباضية في عصر التدوين، لأهم آراء ابن عباس الفقهية، وتفردوا بالأخذ ببعضها … فملامسة النساء، على سبيل المثال، هي الجماع وليس مادونه ومجرد لمس المرأة لا ينقض الوضوء؛ وأن لا ربا إلا في النسيئة … عند بعض فقهاء المذهب … إن هذا الاتفاق في كثير من المسائل يبين أن الإمام جابر كان ناقلا فقه أستاذه متبنيا لآرائه، بل اتخذ أساسا أقام عليه المذهب. أشاد الإمام جابر بأستاذه واعتبره بحر العلوم، وأنه كان أعجز من أن يحوي ما عنده، فقد دعاله الرسول (صلى الله عليه وسلم) بذلك العلم الغزير حتى تبوأ الذروة بين فقهاء الصحابة. حفظ سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كما حفظ القرآن الكريم، وجمع إلى ذلك علم من تقدمه من كبار الصحابة، وكان من المكثرين من رواية الحديث.

منهجه

لم يكن المنحى العقلي الذي امتاز به عبدالله بن عباس العامل الوحيد في تكوين شخصية الإمام جابر، وإنما كانت إقامته بالبصرة هي الأخرى من العوامل المؤثرة. فالبصرة، والعراق عموما، موطن الرأي والتحفظ في استعمال الحديث. ولكن هل يعني هذا أن الرجل كان واحدا من أهل الرأي بكل ما يعنيه التعبير من معنى، كما هو الحال مع أبي حنيفة، ومن قبله

أستاذه إبراهيم النخعي، بل وحتى عبدالله بن مسعود في الكوفة.

__18_