أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع
الجزء ١ · صفحة ٦٥إن البحث في شخصية الإمام يكشف أن استعمال العقل هو أحد
العوامل المميزة لفكره وتفكيره وليس هو العامل الوحيد، ذلك أن أبا الشعثاء كان رجل أثر، فهو تلميذ ابن عباس أحد المكثرين من رواية الحديث كما ذكرنا، وتلميذ السيدة عائشة التي كان يسألها عن كل شيء وخاصة عما يتعلق بفقه النساء والعلاقات الزوجية. وقد استفاد من مجاورته بالمدينة من ابن عمر واستفاد من توجيهاته فقد روي أنه قال له: بلغني يا أبا الشعثاء أنك من فقهاء البصرة وإنك تستفتى فلا تفتين إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت. وقد كان عبد الله ابن عمر هذا من أقوى الشخصيات تأثيرا في مدرسة الحديث بالمدينة، لا يأخذ بالرأي وإنما يتتبع النصوص، ويقف غالبا عند ظواهرها، ولا يستعمل رأيه حتى فيما لانص فيه. وكانت شخصيته العلمية بارزة في كثرة الجمع ودقة النقل لا كثرة الاستناط ولا وفرة الفتوى. وقد تلقى الإمام جابر العلم والحديث على غير هؤلاء، فقد نسب إليه القول أنه أخذ العلم عن سبعين بدريا من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مما جعله يتبوأ مكانة عالية بين أعلام الحديث، ويعتبر من أئمة السنة في البصرة بلا منازع. فقد وثقه جميع نقاد الحديث وأجمعوا على عدالته، بل اعتبر من رجال أصح الأسانيد. وبامتلاك الإمام جابر للحديث يكون قد خفف من غلواء النزعة العقلية في تفكيره وعادل بين العقل والنقل، وبذلك يكون، وإن تأثر بمدرسة العراق فاستخدم الرأي، إلا أنه تردد، كما فعل تلميذه من بعده، في استعمال
القياس، فقد طبع فقهه بالآثار التي رواها عن أساتذته في الحجاز. ولا ننسى قبل أن نختم حديثنا عن الإمام جابر أن نبرز بعض خصائصه النفسية التي بوأته المكانة التي وصل إليها. فقد كان، مثل صديقه الحسن
_70_