أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع
الجزء ١ · صفحة ٧٦ترسخ في اللاشعور الجمعي للأمة الاعتقاد بأن المعارضة للأمر الواقع المفروض إنما هي معارضة لأصول الإسلام، أضف إلى ذلك التباين في تفسير الأصول العقدية والفكرية عموما. لقد تظافرت كل تلك العوامل في عزل المعارضة التي كان المذهب الإباضي شكلا من أشكالها، ولكن من حسن الطالع أن رجال هذا المذهب، بتحمسهم لأصولهم وأفكارهم ونضالهم السياسي الطويل من أجل البقاء، وعرض البديل الذي يرونه صوابا، استطاعوا إقامة دول في المشرق والمغرب مكنتهم من البقاء، إضافة إلى جهود علمائهم في تدوين تلك الأصول والأفكار.
لقد ترك الإمام جابر فريقا متماسكا من العلماء المحترمين اختاروا لقيادتهم أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة أحد أخلص تلاميذه، وأكثرهم فقها وأصلحهم لفترة حرجة من تاريخ هذه الحركة الناشئة، خاصة وأن آل المهلب الأزديين الذين كانوا يرتبطون بالإمام جابر من حيث الموطن والقبيلة، وينظرون إليهم نظرة خاصة من الاحترام والتقدير والعطف إذ هو كبير علماء الأزد، إضافة إلى أن كثيرا منهم قد انخرط في حركته، وإلى النزعة القبلية التي كانت لاتزال قوية، على عهد الأمويين ثم العباسيين، في تثبيت السلطة أو حماية مناهضيها. لقد دفعت هذه النزعة آل المهلب لحماية الأزد العمانيين ومن ارتبط برجالهم. لذا كان لمأساة تلك العائلة مع الأمويين أثر كبير على أتباع المذهب الإباضي الذين اضطروا إلى العمل في الخفاء، الأمر الذي ضاعف من جهل الآخرين بهم، إلا أنهم استطاعوا أن يخططوا منهجية عملهم السياسي والعقدي والفقهي تحت زعامة هذا الرجل الذي هو أحد موالي بني تميم، أو مولى لعروة بن أدية أخي بلال، مرداس على رأي الجاحظ. ومما لاريب فيه أن لطائفة الموالي أثرا كبيرا في نمو الحركة العلمية، وخاصة الشرعية، فقد كان
_ V_