أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع
الجزء ١ · صفحة ٧٧هؤلاء أصحاب حضارة ومدنية، وكانوا يتمتعون بعقلية هي نتاج ما كان عند شعوبهم من العلوم والمعارف ولما اعتنقوا الإسلام، اسهموا إلى حد بعيد، في نشأة العلوم الشرعية واللغوية والأدبية بما كانوا يتمتعون به من ملكة قوية في البحث والاستنباط، وقدرة فائقة على الغوص وراء المعاني البعيدة والعلل والحكم الدقيقة. لقد نذروا حياتهم للبحث والنظر والاجتهاد العلمي، في حين انشغل العرب بالحكم والسياسة وقيادة الجيوش.
لقد قاد أبو عبيدة الحركة العلمية والسياسية للمذهب الإباضي، على نفس المنهج الذي حدده أستاذه الإمام جابر، وعمل على تأصيله وتجذيره بين التجمعات الإباضية، سواء في مركزها الرئيسي الذي هو البصرة، أو في الكوفة، أو في مكة، أو في المدينة أو الموصل ونواحي خراسان. ومن الطبيعي أن يستفيد العلماء الإباضية من هذا التوزع الجغرافي، بين أهم مراكز الفكر والعلم بكل خصائصها، في العهود الأولى للإسلام، لبناء مدرستهم الفقهية والعقدية، فما من شك أنهم كانوا يتشاورون فيما بينهم عن طريق الاتصال المباشر وغير المباشر من خلال المراسلات الشخصية ورحلات القوافل ومواسم الحج والعمرة. لقد كان أتباع المذهب، من أهل العلم، يتابعون ما يجري في هذه المراكز من مناظرات ودروس، ويبدون فيه آراءهم وفق منهجهم الفقهي خاصة والفكري عامة. وقد نشأت هذه التجمعات نتيجة للعمل الدعوي الذي قام به أتباع المذهب وعلماؤه، وقد سبق أن ذكرنا أن الإمام جابر قد حج أكثر من عشرين مرة، وأنه جاور عاما بالمدينة، وكون أصدقاء من هنا وهناك، وأقنعهم بنشاطه وحقيقة عمله والغاية التي يصبو إليها، فكان من المعقول جدا أن يتردد الباحث كثيرا قبل أن يرسل حكما عاما يربط فيه المذهب بمركز التجمع الإباضي في البصرة وحده. فقد كانت
_ VV_