الإباضية بين الفرق الإسلامية - ط. الضامري
الجزء ١ · صفحة ٢٤٨على نسقهما وذلك أنهما يدعيان - ويؤكدان ذلك ـ إن الإباضية بدو أقحاح. وأن البداوة لا يمكن أن تكون مصدر علم وحضارة. فكيف تأتى للمرأة الإباضية ـ وهي بدوية قحة - وكذلك للمرأة الطارقية التي تسلمت منها مميزاتها، وسارت بأسلوبها في الحياة - أن تكون في ثقافتها وعلمها فوق المرأة في بلاد المغرب؟ كيف استساغ عقل ماسكوراي وعقل جوتييه أن يزعم أن المرأة الطارقية ـ وهي تعيش في خيام متنقلة في المناطق الصحراوية تتبع مواقع الغيث. وتقضي أهم أوقات عمرها في رعاية الماشية - أكثر ثقافة وعلما من المرأة
التي تعيش في تلمسان والرباط والجزائر وقسنطينة ووهران قد يقبل كلام ماسكوراي على نوع من التأويل لأنه وصف المرأة الإباضية بالثقافة أو بأنها مثقفة. وهذا قد يكون صحيحا إلى حد بعيد ـ من حيث الواقع ـ لأن الإباضية لا سيما في الجزائر يسكنون في عدد محدود من المدن طيلة عدة قرون، وهم بعداء جدا عن طبيعة حياة البدو الرحل، وإن كانوا يعيشون في واحات في مناطق صحراوية. ثم إن لهم مؤسسة العزابة التي تم تنظيمها في أوائل القرن الرابع الهجري وهي تشرك معها المرأة في القيام بمهمة الثقافة والتعليم في ميادين الشريعة كما أن لهم أساليب خاصة في واجبات المرأة المنزلية والصناعية، ولا شك أن معاني الحضارة ومظاهرها عند الإباضية من سكان الجزائر أقوى منها وأوضح مما في كثير من مدن الشطوط والسواحل. وفي مثل هذه المجتمعات المستقرة في مدن الواحات العريقة والمحافظة لا نجد غرابة إذا وصفت فيها المرأة بالثقافة، والثقافة في هذا المجال إنما تعني بالدرجة الأولى، معرفة المرأة لأحكام الدين المتعلقة بها، ثم
- 248 -