الإباضية بين الفرق الإسلامية - ط. الضامري
الجزء ١ · صفحة ٣٣٧العدل
فرجال السياسة في الدولة الجائرة لا يرضيهم أن يقوم في دولتهم ولا حتى أن يقوم في دولة بجانبهم، لأن الحكم العادل كفيل بأن يكشف للناس عن مساوئ حكمهم وأن يطلق ألسنتهم بالنقد وربما بالنقمة ثم بالثورة، ولذلك فهم يجندون كل ما عندهم من قوة وإمكانيات لإخراس الألسنة المنتقدة، والأيدي المتحركة في دولهم القائمة وللقضاء على أي حكم نظيف، يقوم إلى جانبهم بكل أنواع الحرب، من كيد ودعاية كاذبة، وتشويه للحقائق، وتشنيع، وتعذيب وضرب بالسيف إن اقتضى الأمر ذلك
في نظرهم.
رأى الإباضية أنه ما دام هذا النموذج من الدول موجودا، وأنه ليس في الإمكان القضاء عليه، والإتيان بحكم خير منه، فعليهم أن يجتنبوا المجال السياسي، وأن يبتعدوا عن كراسي الحكم، وأن يتركوها للمتنازعين عليها، المتحاربين بسببها، وقد وقفوا هذا الموقف وسلكوا هذا المسلك، فلم يقم منهم قائم يدعو لنفسه أو يعمل لغيره، أو يساعد أحدا على الوصول إلى الحكم منذ أواخر القرن الثالث الهجري، وقد واتت فرص كثيرة لبعضهم لو أراد أن يستغلها لنفسه. أو يساعد عليها غيره، للوصول إلى الحكم، أو تكوين الدول أو الحصول على الولايات والإمارات، ولكنهم لم يفعلوا ذلك. وعندما اقترح مقترحون على بعض الزعماء أن يبايعوهم بالإمارة وأن ينطلقوا بالدعوة لهم رد عليهم أولئك الزعماء بأنه لا جدوى من ذلك وأن الأضرار التي تنجم عن تلك الحركات أكثر مما يتوقع منها من فوائد وأيد العلماء هذا الاتجاه فأعرضوا نهائيا عن فكرة الوصول الى الحكم أو العمل على تغييره، ووقفوا هذا الموقف السلبي منذ أواخر القرن الثالث الهجري إلى اليوم.
22
- 337 -