الإباضية بين الفرق الإسلامية - ط. الضامري
الجزء ١ · صفحة ٥٠٩المذاهب وراء الفرق فيه شيئ من الغرابة، أو من عكس الطبيعة، ذلك أن المذاهب الإسلامية منبثقة من أصل واحد هو الإسلام جميع بمصادره التشريعية المختلفة وكان المنطق يقتضي أن تكون هذه المذاهب واحدة أو متحدة، لأنه هو الأصل فإذا حدث خلاف بين
منحي
بعضها، بحث عن أسباب الخلاف، ولكن القضية عند بعض المفكرين وأغلب المستشرقين أخذت آخر، والقارئ الكريم يرى في الملاحظة السابقة كيف أن صاحبها محتار فيما يبرر به وجود التشابه بين آراء الشيعة (لا سيما الزيدية والاثني عشر) والخوارج والمعتزلة. الحقيقة أن الذي يجب أن نبحث عن مبرراته إنما هو اختلاف الآراء والأصول بين مذهب وآخر وطائفة وأخرى، لا التشابه والتقارب، وذلك لأن مصدرها واحد، وهي جميعا تزعم أنها تعود إلى ذلك المصدر، فالاختلاف حادث يبحث عن سببه والدوافع إليه، وليس من الحقيقة في شيء أن نعكس المنطق فنجعل التباعد والتباين بين المذاهب، والفرق هو الأصل، فإذا رأينا تشابها أو تقاربا بين بعضها بحثنا عن السبب والمبرر كما يقول صاحب الملاحظة. ولعل المستشرقين هم الذين ركزوا هذه النظرة واعتبروا الخلاف والخصومة بين المذاهب هي الأصل، فإذا وجدوا تشابها واتحادا بحثوا عن الأسباب أو افتعلوا له المبررات، وعلى كل حال والأصل في المذاهب أنها تستقي من مصدر واحد وترجع إلى أصل واحد، والطبيعة فيها أن تكون متشابهة متقاربة فإذا تباعدت كان ذلك على غير الأصل وبحث عن أسبابه ومبرراته ولا يخرج غالبا عن أصابع السياسة في القديم وعن أصابع الاستعمار في الحديث، وعن أصابع اليهودية والمسيحية في المدى الطويل، ثم عن الجهود المخلصة التي يبذلها الجنود المخلصون للاستعمار
- 509 -