الإباضية بين الفرق الإسلامية - ط. الضامري
الجزء ١ · صفحة ٥٢إن البغدادي كان يعيش في القرنين الرابع والخامس، وفي هذا العصر كان الإباضية قد عرفوا في أغلب البلاد الإسلامية من خراسان إلى الأندلس واشتهرت لهم مؤلفات في أغلب فروع الثقافة الإسلامية - لا سيما علم الكلام - ودونت تواريخهم وسيرهم وعرف علماؤهم وأئمتهم في طبقات يأخذ بعضها عن بعض إلى أصحاب
رسول الله.
كما أن أكثر المذاهب الإسلامية قد تميز بعضها عن بعض في أصولها وفروعها، وأرائها ومقالاتها وأئمتها وعلمائها. ومع ذلك فإن أولئك الذين ذكرهم البغدادي هم أولئك الذين ذكرهم الأشعري من قبله حاشرين إياهم في الإباضية، والإباضية لا يعرفون عنهم شيئا
ولم يذكروهم لا في كتبهم ولا في طبقات علمائهم
إن البغدادي قد سلك المسلك الذي سلكه من قبله الأشعري وقد علمت في الفصول السابقة أن أغلب ما كتبه عن الإباضية
ونسبه إليهم لا يمت إليهم بصلة - وأن البغدادي وهو يسلك نفس المسلك ويعتمد نفس المصادر هو الآخر لا يعرف شيئا عن الإباضية. وأن كل ما كتبه عنهم سواء كان حقا أو باطلا فإنما هو تشنيعات وتلفيقات إليه عن ناس يريدون أن يوقدوا نار الفتنة ضد الإباضية، وأن يجعلوهم مكروهين من بقية إخوانهم المسلمين فينسبون إليهم عقائد ومقالات يبرأون منها وممن يقول بها، ويسوقون عنهم أقوالا في غاية الغموض والإبهام، لإثارة الرأي العام ضدهم وقد يفسرون بعض الجمل أو الكلمات تفسيرا غير صحيح ولا مقصود عند الإباضية لزرع وهم في نفوس الآخرين. ولا شك أن أصابع السياسة الماكرة وراء كل ذلك وأن هؤلاء العلماء الذين يكتبون إنما تلقوا معلوماتهم عن مصادر مستغلة أو مستغفلة مع العلم
- 52 -