الإباضية بين الفرق الإسلامية - ط. الضامري
الجزء ١ · صفحة ٨٧المشركين فبعضهم يلازمهم على غير طريق الإنتقام، وجوز أن يدخلهم الله الجنة، وبعضهم يقول إن إسلامهم واجب لا جائز، ومن هنا نرى أن متأخري الخوارج كانوا أكثر تساهلا مع مخالفيهم أكثر من متقدميهم، وأن هذا التساهل بدأ يزداد شيئا فشيئا ولا ندري هل سبب هذا التسامح هو أنهم ضعفوا لكثرة حروبهم فهم يريدون أن يتقربوا من مخالفيهم شيئا فشيئا حتى لا تقوم بينهم الحرب أم أنهم لما اتسعت مداركهم وعرفوا ما لم يكن يعرفه سلفهم الذين كانوا من عرب البادية، وفيهم سذاجة وعدم عمق في التفكير، كانوا أكثر تسامحا مع مخالفيهم من سلفهم ولا مانع من أن يكون قد اجتمع لديهم السببان معا. فالحروب قد أضعفت من حماسهم، وأن مداركهم قد اتسعت عن مدارك سلفهم، وأصبحت نظرتهم فاحصة وعميقة في نواحي الدين أكثر من سلفهم».
ويقول في موضع آخر من الكتاب ما يلي:
ولكن يظهر أن عدم الدقة في الأحكام كانت عند أوائل الخوارج ـ كما قلت ـ وأما متأخروهم فإنهم قد دققوا في الأحكام، وفرقوا بين عمل وعمل، ولم يشتطوا في أحكامهم، كما اشتط سلفهم وكما لاحظنا فيما تقدم صارت أحكامهم على مخالفيهم فيها تسامح وفيها تساهل، ليس كل مخالف لهم كافرا أو مشركا، وليس أطفال المشركين مخلدين في النار، وليس حكمهم حكم آبائهم، ويلاحظ أنه لما ضعفت قوتهم الحربية اتجهت نفوسهم نحو الإنتاج العلمي، حتى أصبحت لهم مؤلفات فقهية وكلامية ولغوية وأدبية، ويلاحظ أن فرقهم لم يُبَدِّدهم أعداؤهم تماما بل بقي منهم إلى عهدنا هذا جماعات يسكنون في إفريقيا الشمالية من خوارج الإباضية وهؤلاء يقيمون في إقليم جبل نفوسة بطرابلس الغرب، ويوجد كذلك فريق آخر بزنزبار بإفريقيا الشرقية،
- 87 -