-مختصر تاريخ الإباضية - ط. الضامري
الجزء ١ · صفحة ٥٦لدين
الله
ما زالت قوية محترمة الجانب. ومن الشواهد على ذلك أن المعز قائده الفاطمي رابع الخلفاء الشيعيين لما فتح مصر جوهر، صمم على اتخاذها عاصمة لملكه بدل المهدية · فسار اليها سنة 361 هـ الموافقة سنة 971 م بجحافله مستصحبا كل نفيس من أمواله وذخائره. ولما وصل طرابلس فر منه جمع من عساكره الى جبل نفوسة فطلبهم فلم يقدر عليهم (1). وقد قص الحكاية جماعة من المؤرخين غير الاباضية، وقد حاول المعز قبل ذلك أن يعقد صلحا مع أبي خزر الحامي الاباضي على أن يعترف له بالاستقلال فأبى فحاربه. وبعد عناء وجهد قهر جيشه وتغلب على اتباعه فالتجأ بو خزر الى نفوسة الجبل وأميرهم إذ ذاك زكرياء من أحفاد بي منصور · فهل هذا الا دليل من أقوى الادلة على قوة شوكتهم رانتظام أمورهم والا فكيف يهاجم ملك من أعظم ملوك العالم في عصره ودولته في زهرة شبابها وعنفوان قوتها. اني لست ممن يقول ان التاريخ أهمل ذكرهم كلا كيف يكون هذا والعلم منتشر فيهم رجالا ونساء أكثر من جميع الأقوام المعاصرين لهم والمجاورين لديارهم. ألا ترى الى تلك الواقعة التي مات فيها من علمائهم فقط 400 ـ وانما أقول ما هو أقرب منه الى العقل وهو ان التاريخ «وأعني به تاريخ الاباضية» لا بد وأنه دون حوادثهم بانتظام وضبط ولكن النار التي أضرمها في كتبهم المتغلبون هي التي أكلت كل مفيد
-
(1) هذه العبارة هي عين ما عبر به الكاتبون في الموضوع النائب والشماخي والباروني وغيرهم وهي تدل على ان المعز الفاطمي حارب نفوسه لاجل استرجاع عساكره الفارين فلم يقدر على استرجاعهم بالقوة ولو لم يكن هناك حرب لما عبروا بقولهم (فلم يقدر عليهم (ولمكان جواب الطلب المجرد عن استعمال القوة - ابوا وامتنعوا من تسليم الجنود الفارين ومن هذا نعلم أن نفوسة يومئذ لم تزل قوية منيعة مستقلة استقلالا تاما. ولم يؤثر في قوتها اقل تأثير انقراض الدولة الرستمية. بل ثبت انها حافظت على استقلالها هذا أكثر من أربعة قرون كما سياتي الكلام على أمرائها الذين حكموها بعد انفصالها عن دولة تيهرت الرستمية، وهذه القوة هي التي حمت ابا خزر الحامي اللاجيء اليها عند عجزه عن قتال الفاطميين الذين حاربهم وانتصر عليهم مرارا الى ان هموا بالاعتراف له بالاستقلال لولا تعنته، وطموحه الواسع الذي جر له الهزيمة والالتجاء الى جبل نفوسة ولسان حاله يقول: خذ الكل، أو
اترك الكل.