الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٢٥225
وبقينا فيمن شاء الله من الفوغاء والعجاج. ونحن كما قال الأول
وهو لبيد (1)
:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب والنقص في أهل العلم والبصر والثبات والتدبر، وفقد أهل البر والتواصل والتراحم. وقلّ أهل الورع والتنزه والكرم، والتثبت عندما اشتبه، وعدم أهل الوفاء والحفاظ واتقاء العيوب. وكل هذا قد ابتليناه مع الصمت والعجز والكسل والتوانى الذى دخلنا، والركون إلى الدنيا ومنافسة أهلها فيها. فما أسوأ حالنا وأعظم خطرنا إن لم يتداركنا أرحم الراحمين برحمته، فإن رحمته وسعت كل شيء، وهو كثير التجاوز واسع المغفرة.
و لعمري يا معشر الإخوان لو أن أهل العلم أعزوا العلم كما أعزه الله لقهروا به أهل الدنيا ولكانوا لهم تبعاً، ولكنهم بذلوه لغير أهله فهانوا
على الناس. فلذلك اجترأ الطعام والجفاة والضعفة ومن لا علم له ولا رأى اعلم
(1) لبيد بن ربيعة: شاعر معروف من أشراف الشعراء ومن الفرسان المعمرين ويقال إنه عاش نحو 145 سنة وإنه مات في أواخر ملك معاوية بن أبي سفيان. وكان لبيد قد حظى بشهرة واسعة حتى فى أيام شبابه كناطق بلسان قبيلته كلاب إحدى بطون هوازن. ولقد كان في جملة أعضاء الوفد الذى وجهته تلك القبيلة ليفاوض الرسول عليه الصلاة والسلام في مسألة الانضمام إلى الجماعة السياسية الجديدة، وفى ذلك الحين أعلن إسلامه. ولا شك أن الشعراء كان لهم أثر سياسي كبير فالشعراء في العصر الجاهلي كانوا مفخرة لقبائلهم، كما كانوا يلعبون أدوارا سياسية هامة في إثارة الحرب أو إقامة السلام وذلك عن طريق أشعارهم وبيانهم. ولبيد من أصحاب المعلقات وكان يتردد في الجاهلية على بلاط الغساسنة. وكانت قصائد لبيد تتميز بالناحية الدينية في العصر الجاهلي، ولما أسلم غلبت على شعره مسحة الدين أيضا فكان شعره نموذجا للشعر الديني الإسلامي.
(15 ـ كتاب السير)