شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ١١٨94
}
ما يعرف به المجاز:
قولي: (ويعرف المجاز بالنقل، وبصحة نفيه، وبمبادرة غيره لولا القرينة، عكس الحقيقة (1)، وبعدم اطراده).
اعلم أن المجاز يعرف بنقل أئمة اللغة، وقد بين في كتب اللغة، وبصحة نفيه؛ كقولك للبليد ليس بحمار، بخلاف الحقيقة؛ لأنك لا تقول له ليس بإنسان، ويعرف أيضا بأن يتبادر غيره إلى الفهم؛
قوله: ويعرف المجاز، أي المعنى المجازي للفظ، وليس المراد اللفظ بدليل قوله "وبصحة نفيه، ويعرف بأن يتبادر "غيره فإن المراد المعنى كما هو ظاهر.
قوله: وبصحة نفيه، أي بغير المعنى الحقيقي في نفس الأمر؛ لأن النفي والإثبات في الحقيقة للمعاني، وكأن المصنف رحمه الله اعتمد الظاهر فجعل المجاز الذي هو اللفظ منفيا.
تنبيه: اعلم أن إطلاق الحقيقة والمجاز على نفس المعنى، أو على إطلاق اللفظ على المعنى واستعماله فيه شائع في عبارة العلماء، مع ما بين اللفظ والمعنى من الملازمة الظاهرة، فيكون مجازا لا خطأ، وحمله على خطأ العوام من خطأ الخواص انتهى. قاله ابن قاسم نقلا عن التلويح (2).
قوله: كقولك للبليد ليس بحمار، الأولى أن يثبت أولا كونه مجازا ثم ينفيه، كأن يقول كقولك في البليد هذا حمار فإنه يصح نفي الحمار عنه فيقال ليس بحمار، قال ابن أبي شريف (3): واعترض بأنه إذا كان للفظ معنيان حقيقيان فأكثر فإن إريد صحة نفي كل معنى حقيقي لذلك اللفظ فلا يعلم صحة النفي إلا إذا علم أنه ليس شيئا من المعاني الحقيقية، وإنما يتحقق ذلك إذا علم أنه فيما استعمل فيه مجاز، فإثبات كونه مجازا به دور إن أريد صحة نفي بعض المعاني الحقيقية، فلا يفيد لجواز صحة نفي بعض المعاني الحقيقية دون بعض، وأجيب بأن المراد صحة نفي البعض بالنسبة إلى ما يعرف بأنه معنى حقيقي للفظ دفعا للاشتراك، فمعرفة معنى واحد حقيقي كافيه لصحة النفي فيما لم يعرف أنه معنى حقيقي لذلك اللفظ
انتهى.
قوله بأن يتبادر غيره إلى الفهم إلخ، اعترض عليه أيضا بأن هذه الخاصة للمجاز غير مطردة؛ لأن المجاز الراجح يتبادر من اللفظ أيضا، وأجيب بأن تبادره مع القرينة =
(1) أي على عكس الحقيقة، فإنها تتبادر إلى الفهم بغير قرينة، كما سيذكره قريبا في الشرح. (2) شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح، تأليف سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني الشافعي (ت:747 هـ)، الطبعة
الأولى دار الكتب العلمية - بيروت، ج 1، ص 127. (3) الدرر اللوامع في تحرير شرح جمع الجوامع، ص: 113