شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ١٢٢98
}
وقد تقدم في فصل قياس اللغة أن القارورة لا تطلق على غير الزجاجة، ولو وجد ذلك المعنى الذي سميت لأجله (1) في غيرها وهو استقرار الشيء فيه؛ فلا يطلق على الدن
والكوز، وكذا السخي لذي الجود، والفاضل لذي العلم، ولا يجوزان على الله تعالى. واعترض بها وبمثلها على التعريف المذكور لأنها لا تطرد فتكون مجازا، والفرض أنها حقيقة.
وأجيب بأن السخي دار بين الجواد المطلق والجواد الذي من شأنه أن يبخل، ثم وجدناه لا يطلق على الله تعالى فعلمنا أنه للجواد المقيد، وكذا القارورة دارت بين ما يستقر الشيء فيه مطلقا، وبين ما يستقر فيه مقيدا بكونه زجاجا، فوجدناه لا يطلق على الكوز فعلمنا أنه للمقيد، ولا يلزم عليه نقض ولا دور
قوله: وقد تقدم في فصل قياس إلخ، الظاهر أنه إنما ذكر هذا تمهيدا للاعتراض به على علامة المجاز، حيث لم يطرد ما ذكر في معناه مع كونه حقيقة، فيلزم إما بطلان كون عدم
الاطراد علامة للمجاز، أو كون هذه الأشياء مجازا لعدم اطرادها كما قال المصنف.
قوله: واعترض بها وبمثلها على التعريف المذكور، أراد بالتعريف العلامة التي ذكرت هنا للمجاز، وهي عدم الاطراد كما هو ظاهر، وأورد ابن أبي شريف هذا الاعتراض على عبارة جمع الجوامع في جانب الحقيقة، حيث ذكر أنه يجب فيها الاطراد، قال ما نصه (2): وقد اعترض على دعوى أن وجوب الاطراد علامة الحقيقة بالنقض، فإن من الحقيقة ما لا يطرد كالسخي للجواد يطلق على الإنسان ولا يطلق في حق الله تعالى مع تحقق الجود، والفاضل للعالم، يطلق على الإنسان ولا يطلق في حق الله سبحانه مع تحقق صفة العلم، والقارورة تطلق على الزجاجة التي تستقر فيها المائعات، ولا يطلق على الدن والكوز مع اتصافهما بالاستقرار فيها، وأجيب بأن السخى دائر بين كونه موضوعا للجواد المطلق وللجواد الذي من شأنه أن يبخل، والفاضل بين كونه للعالم مطلقا وللعالم الذي من شأنه أن يجهل، ولما وجدناهما لا يطلقان لغة على الله سبحانه علمنا وضع كل منهما للمقيد، فالقيد معتبر في موضوعهما، وكذلك القارورة دل عدم استعمالها في غير الزجاج على اعتبار قيد الزجاجة فى موضوعها، فالألفاظ المذكورة مطردة وكذا ما كان على منوالها فلا نقض اهـ. وهو حاصل كلام المصنف رحمه الله بأوسع عبارة، لكن مراد هذا لا نقض على وجوب طرد الحقيقة، ومراد المصنف لا نقض على علامة المجاز لاطراد هذه الأشياء والله أعلم.
(1)
في (أ) الذي سميت به، بدل لأجله.
(2) الدرر اللوامع في تحرير شرح جمع الجوامع، ص: 114