شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ١٢٩}
والصحيح أنه لا يستلزمها، إذ لو استلزمها لكان للفظ الرحمن حقيقة؛ وهو ذو الرحمة مطلقا، فيجوز إطلاقه على غير الله وهو باطل، وكذا عسى وليس، ونعم، وبئس، وحبذا، ونحوها من الأفعال التى لم تستعمل لزمان معين.
قال أبو إسحاق بعدم وقوع المجاز، ويرد قوله نقل أئمة اللغة كالأسد للشجاع، ومنعته الظاهرية في القرآن،
قوله: والصحيح أنه لا يستلزمها إلخ، بل إنما يستلزم الوضع، قال الشارح المحلي (1): إذ لا مانع من أن يتجوز في اللفظ قبل استعماله فيما وضع له أولا، وقيل يجب سبق الاستعمال فيه وإلا لعرى الوضع الأول عن الفائدة، وأجيب بحصولها باستعماله فيما وضع له ثانيا. وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن المجاز لا يستلزم الحقيقة مطلقا، واختار في جمع الجوامع بحثا من عنده التفرقة بين المصدر و غيره، قال شارحه (2): ويجب لمصدر المجاز فلا يتحقق في المشتق مجاز إلا إذا سبق استعمال مصدره حقيقة وإن لم يستعمل المشتق حقيقة كالرحمن لم يستعمل إلا لله تعالى، وهو من الرحمة وحقيقتها الرأفة والحنو المستحيل عليه تعالى، وأما قول بني حنيفة في مسيلمة رحمان اليمامة قال شاعرهم فيه:
(سموت بالمجد يابن الأكرمين أبا … وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا)
أي ذا رحمة، قال الزمخشري (3): فباب من تعنتهم في كفرهم أي هذا الاستعمال غير صحيح، دعاهم إليه لجاجهم في كفرهم بزعمهم نبوة مسيلمة دون النبي صلى الله عليه وسلم، كما لو استعمل كافر لفظة الله في غير الباري تعالى من آلهتهم، وقيل لأنه شاذ لا اعتداد به وقيل إنه معتد به والمختص بالله المعرف باللام يعني الرحمن دون رحمان.
قوله وهو باطل، وقد سمعت ما فيه.
قوله: قال أبو إسحاق، يعني الاسفراييني ووافقه على ذلك أبو علي الفارسي فإنهما منعا وقوع المجاز مطلقا، قالا وما يظن مجازا نحو رأيت أسدا يرمي فحقيقة. قوله ومنعته الظاهرية في القرآن، وكذلك في السنة، قالوا لأنه بحسب الظاهر كذب كما في قولك في البليد هذا حمار)، وكلام الله تعالى ورسوله منزه عن الكذب، وأجيب بأنه لا كذب مع اعتبار العلاقة، وهي فيما ذكر المشابهة في الصفة الظاهرة أي عدم الفهم، وإنما لم يوجد الكذب مع اعتبار العلاقة لأن النفي لا يصح بالنسبة إلى المعنى المجازي الذي تعتبر فيه العلاقة، إنما يصح نفي المعنى الحقيقي، والشيخ رحمه الله نفى الكذب بالقرينة وهو الظاهر
والله أعلم.
(1) حاشية البناني على شرح المحلي: ج 1، ص 382 (2) حاشية البناني على شرح المحلي: ج 1، ص 383 (3) الكشاف: ج 1، ص 50.