شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ١٣٢108
{}
اعلم أن الأصل في الكلام الحقيقة، والأصل عدم الاشتراك، وإذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح فلا يحمل على أحدهما إلا بقرينة؛ لأن كل واحد منهما له مرجح، وقال أبو حنيفة يحمل على الحقيقة، وقال أبو يوسف (1) على المجاز، كالنكاح في الوطء والعقد. واعلم أن وجود الله حقيقة بلا خلاف
قوله: اعلم أن الأصل في الكلام الحقيقة إلخ، يعني فإذا احتمل اللفظ معناه الحقيقي والمجازي فالأصل أي الراجح حمله على الحقيقي؛ لعدم الحاجة فيه إلى قرينة، نحو رأيت اليوم أسدا أي حيوانا مفترسا، ويحتمل الرجل الشجاع، وكذلك إذا احتمل اللفظ الذي له معنيان أن يكون حقيقة فيهما، أو في أحدهما فقط ومجازا في الآخر، فالمجاز أولى من الاشتراك لاحتياجه أيضا إلى قرينة تدفع المزاحم؛ لتعدد الوضع فيه، كالنكاح فإنه حقيقة في العقد مجاز فى الوطء، وقيل بالعكس، وقيل مشترك فيهما، والأولى كونه حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر لأن الأصل عدم الاشتراك، وكذلك النقل والإضمار والتخصيص الأصل خلافها، وانظر لم لم يتعرض لكونها خلاف الأصل، ولعله للعلم به واتكالا على التوقيف والله أعلم، فإذا تعارضت هذه الخمسة أعني التخصيص والمجاز والإضمار والنقل والاشتراك فسيأتي بيان أيها أولى بالأخذ.
قوله فلا يحمل على أحدهما إلا بقرينة حاصله أنها إذا تعارضت الحقيقة المرجوحة والمجاز -الراجح أي الغالب في الاستعمال عليها - ففيهما ثلاثة أقوال، والمختار منها أن اللفظ حينئذ لا يحمل على أحدهما إلا بقرينة لرجحان كل منهما من وجه.
قوله على الحقيقة أي لأصالتها. وقوله على المجاز، أي لغلبته.
قوله: كالنكاح في الوطء والعقد، ظاهر كلامه رحمه الله أنه مثال لما يحتمل أن يكون حقيقة مرجوحة أو مجازا راجحا، ولم يبين ذلك، وكأنه أراد أنه حقيقة مرجوحة في الوطء وأنه مذهب أبي حنيفة، وأنه مجاز راجح في العقد وأنه مذهب أبي يوسف، وأن الراجح لا يحمل على أحدهما إلا بقرينة، وجعل النكاح في شرح جمع الجوامع مرة مثالا لما يحتمل المجاز والاشتراك وأن المجاز أولى كما تقدم، ومرة مثالا لما تعارض فيه التخصيص والاشتراك لا الحقيقة المرجوحة والمجاز، الراجح، حيث قال (2): مثال الأول قوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا مَا
نكَحَ آبَآؤُكُم مِنَ النِّسَاءِ النساء: 22، فقال الحنفي أي ما وطئوه لأن النكاح حقيقة =
(1)
يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي، أبو يوسف (113 - 182 هـ): صاحب الإمام أبي حنيفة وتلميذه، وأول من نشر مذهبه، كان فقيها علامة من حفاظ الحديث، ولد بالكوفة وتفقه بالحديث والرواية، ثم لزم أبا حنيفة فغلب عليه الرأي، وولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد، ومات في خلافته ببغداد، وهو أول من دعي "قاضي القضاة". ينظر: الجواهر المضية: ج 2، ص 220، وفيات الأعيان: ج 6، ص 378. الأعلام: ج 8، ص 193.
(2) حاشية البناني على شرح المحلي: ج 1، ص 395