شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ١٤٢118
}
= قول صاحب جمع الجوامع والمتشابه ما استأثر الله بعلمه وقد يطلع عليه بعض أصفيائه ما نصه (1): قد يقال إطلاع البعض ينافي الاستئثار أي الاختصاص بعلمه، فآخر الكلام يدفع أوله، ولو قيل المتشابه ما استأثر الله بعلمه أو ما لا يطلع عليه إلا بعض أصفيائه لكان أحسن؛ لأن التعريف الأول مبني على أن الوقف في الآية على قوله "إلا الله"، ونقله الشارح عن الجمهور في مبحث المجمل، والتعريف الثاني مبني على أن الوقف على قوله تعالى وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعالم، وهو قول الأشعري والمعتزلة، وقال ابن الحاجب أنه الظاهر لأن الخطاب بما لا يفهم بعيد، وقال النووي في الأدب من شرح مسلم أنه الأصح؛ لأنه يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته (2)، ورجحه الشيخ أبو إسحاق ووجَّهَهُ بأن الله تعالى أورد هذا مدحا للعلماء، فلو كانوا لا يعرفون معناه لشاركوا العامة وبطل مدحهم، وحكاه إمام الحرمين في البرهان تبعا للقاضي عن أكثر القراء والنحاة، وبالغ في تأييده في التلخيص حتى قال إن مقابله قول باطل، لكن حكى البغوي في المعالم (3) الوقف على قوله تعالى "إلا الله" عن الأكثرين من الصحابة والتابعين والنحويين، وكأنه مستند الشارح في الحكاية عن الجمهور، وقال الأستاذ أبو منصور (4) إنه الأصح؛ لأنه قول الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب اهـ ويعارضه أن الإمام في البرهان نقل عن ابن مسعود وأبي بن كعب القول الآخر، وقد بالغ ابن السمعاني في نصرة الوقف على قوله تعالى {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ، وعليه فالراسخون مبتدأ، إلى أن قال: واعلم أنه كما يطلق كل من المحكم والمتشابه بالاصطلاح المذكور؛ يطلق المحكم ويراد به ما أحكم أي
أتقن فلا يتطرق إليه خلل، والقرآن بهذا المعنى كله محكم، قال الله تعالى كِتَبُ أُحْكِمَتْ آيَتُهُ هود 1، أي نظمت نظما محكما لا يتطرق إليه الاختلال من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى، ويطلق المتشابة ويراد به ما تماثلت أبعاضه في الأوصاف والقرآن بهذا المعنى كله متشابه، قال الله تعالى اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُّتَشَبِها مَّثَانِي الزمر: 23، أي متماثل الأبعاض في الإعجاز وصحة المعنى انتهى. ويحتمل أن يكون مراد المصنف رحمه الله بالمتشابه ما استأثر الله بعلمه ويزاد فيهما مع قطع النظر عن القرينة، وهو ظاهر في المجمل المساوي لمعانيه، وأما المتأول مع قطع النظر عن القرينة فإنه لا يقف الذهن بل يحكم بالمعنى الراجح، لأنه لولا القرينة لكان من الظاهر، والله أعلم، فليحرر، وظاهر كلام السؤالات أن المتشابه الذي استأثر الله بعلمه هو أوائل السور، =
(1) الدرر اللوامع في تحرير شرح جمع الجوامع، ص: 91. وحاشية البناني على شرح المحلي: ج 1، ص 336 (2) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، تأليف أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت:676 هـ)، الطبعة الثانية (1392 هـ)، دار إحياء التراث العربي بيروت، ج 16، ص 218.
(3) ينظر: تفسير البغوي (معالم التنزيل)، ص: 190
(?)
عبد
القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله البغدادي الاسفراييني (ت: 429 هـ)، من أئمة الأصول، ولد ونشأ في بغداد، ورحل إلى خراسان فاستقر في نيسابور، ومات في أسفرايين، من تصانيفه تفسير القرآن والملل والنحل، والفرق بين الفرق، وغيرها. ينظر: طبقات الشافعية الكبرى: ج ة، ص 136. الأعلام: ج 4، ص 48.