شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ١٥٥{131]
مجازا من إطلاق اللازم على الملزوم فلا يشتق منه، ثم هذه النسبة لا تخلو أن تكون قائمة بالثلاثة أو بالخالق وحده، فيلزم على المعنى الأول أن يقوم المعنى الواحد بالقديم والمحدث؛ وهو باطل. وأيضا إن قدرته قديما لزم قيام المعنى القديم بالمحدث، وإن جعلته محدثا لزم قيامه بالقديم؛ وكلاهما باطل. ولزم على الثاني قدم العالم أو التسلسل على ما
مضى.
وأيضا قال في الخلق (1): إذا نسب إلى ذي القدرة هو كون الذات تعلقت قدرته، فجعله صفة للقدرة لا لذي القدرة، فكيف تقوم الصفة بغير محلها وذاتها وأيضا أن الخلق من صفات الأفعال، وصفات الأفعال محدثة فكيف تقوم بالقديم. فإن قلت إنها قائمة بالقدرة، والقدرة قائمة بذي القدرة، والقائم بالقائم بالشيء قائم بذلك الشيء، قلت: يلزم عليه المحذور إما التسلسل أو قدم العالم. وأيضا القدرة معنى، ومنعوا قيام المعنى بالمعنى، فصح أن الخلق بمعنى المخلوق، والفعل قائم بغير الفاعل، وهذا الرد عليهم بمذهبهم واعتقادهم أن صفات المعاني قائمة بالذات؛ طلبا للإنصاف.
ومذهبنا واعتقادنا تنزيه الباري عن أن يكون محلا لشيء، وأن يكون له مغاير في الأزل، بل صفاته الذاتية لسن غيره، فتفهم، ونستغفر الله مما وقع مني.
:تنبيه في صفة الكلام.
قولي: تنبيه الكلام صفة توجب عدم الخرس، وكلام الله صفة ذات له ومعناه ليس بأخرس، وفعل له؛ وهو كتبه المنزلة، وكذا قوله وأمره ونهيه خلافا لقوم، وكلام البشر تقطيع الصوت بحرف أو حروف).
وسميت هذا البحث بالتنبيه لأن الكلام تقدم له ذكر ما وحده صفة توجب عدم الخرس،
قوله ولزم على الثاني إلخ، المراد به قيامه بالخالق وحده، وذلك أنك إذا قدرت الخلق الذي هو النسبة على كلامهم قديما لزم قدم العالم، إذ لا يتصور تأثير ولا أثر كما تقدم، وإن قدرته حادثا وهو غير العالم احتاج إلى تأثير آخر وهلم جرا والله أعلم.
قوله: صفة توجب عدم الخرس، انظر هل مراده وإلا لزم أيضا قيام الحادث بالقديم كما هو ظاهر لأن الخرس ضد للكلام فينفى به كما ينفى بكل صفة ضدها، وهو المتبادر كما هو المشهور، أو مراده يوجب ذلك وإن لم يكن ضدا للكلام، كما بينه في شرح العدل في مسألة اختلف الناس في المعدوم هل هو مأمور إلخ، وذكر عن المعتزلة أنه محال وأنه
(1)
=
من الذي قال؟! لم يذكر أحدا يمكن إسناد هذا القول إليه، ولعله يريد البعض الذي سبق ذكرهم عند قوله: "ومنع بعضهم أن يشتق اسم الفاعل لشيء والفعل قائم بغيره".