شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ١٨٧{163)
وزعم بعضهم أن البيان لا يقع بالفعل بل بالقول خاصة، والصحيح ما قدم.
وإذا ورد الفعل والقول بعد مجمل ويصلح كل واحد منها للبيان له؛ فإن اتفقا كما إذا طاف طوافا واحدا، وأمر بطواف واحد، وهذا بعد نزول آية الحج، فإذا عرف الأول من القول والفعل فهو البيان، والثاني توكيد له، وإن جهل المتقدم فأحدهما بيان، والآخر توكيد له. وقيل: إن كان أحدهما أرجح تعين للتأخير، لأن المتأخر لا يكون إلا راجحا لأنه توكيد، والتوكيد أبين من المؤكد، ورد بأن هذا إنما يلزم في المفردات، وأما الجمل فلا يجوز أن تكون الثانية أضعف، فبانضمامها إلى الأولى تفيدها التأكيد. وإن اختلفا فالصحيح أن البيان بالقول، سواء تقدم أو تأخر، كما إذا طاف طوافين وأمر بطواف واحد، أو طاف طوافا وأمر بطوافين؛ لأن الفعل مما اختص به وقال أبو الحسين (1): المتقدم منهما هو البيان.
قوله وزعم بعضهم أن البيان لا يقع بالفعل، واحتجوا كما تقدم بطول زمن الفعل فيتأخر البيان به مع إمكان تعجيله بالقول وذلك ممتنع، وأجيب بأنا لا نسلم امتناعه، ومثل فعله تقريره، وكذلك التخصيص جائز بهما كما لو قال مثلا (الوصال) حرام على كل مسلم ثم فعله أو أقر من فعله، وقيل لا يخصصان بل ينسخان حكم العام لأن الأصل تساوي الناس الحكم، وأجيب بأن التخصيص أولى من النسخ لما فيه من إعمال الدليلين.
في قوله: فهو البيان، أي المبيِّن فأطلق المصدر وأراد اسم الفاعل، وإنما كان المتقدم هو البيان
لحصوله به.
قوله تعين للتأخير، أي تعين أن يكون هو المتأخر والآخر هو المتقدم؛ لأن المتأخر تأكيد والمرجوح لا يكون تأكيدا.
قوله: ورد بأن هذا إنما يلزم إلخ، في هذا الجواب شيء لأنه يقتضي أن ما نحن فيه من الجمل وليس كذلك، والأولى الجواب بأن هذا في التأكيد بغير المستقل أما بالمستقل فلا، ألا
ترى أن الجملة تؤكد بجملة دونها فيجعل ما نحن فيه مقيسا على الجملة والله أعلم.
قوله: وإن اختلف البيانان، أي بأن زاد أحدهما على الآخر. قوله: لأن الفعل مما اختص به يعني فالزائد على مقتضى قوله ندب أو واجب في حقه دون أمته، ونقص الفعل عنه تخفيف في حقه صلى الله عليه وسلم.
قوله: وقال أبو الحسين المتقدم منهما هو البيان، أي كما في قسم اتفاقهما، قال المحلي (2): =
(1)
محمد بن علي الطيب، أبو الحسين البصري (ت: 436 هـ): أحد أئمة المعتزلة، ولد في البصرة وسكن بغداد وتوفي بها، من كتبه المعتمد في أصول الفقه، وشرح الأصول الخمسة. ينظر: وفيات الأعيان: 4، ص 271. (2) حاشية البناني على شرح المحلي: ج 2، ص 90