شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ١٨٨

﴿176﴾

وإذا تعارض العموم وأخبار الآحاد والظاهر، فالأولان أقوى من الظاهر، وسيأتي إن شاء

الله تعالى.

ويجب أن يكون البيان أقوى من المبين، كالتقييد للمطلق، والتخصيص للعموم؛ لأنه إذا كان البيان أضعف لزم إلغاء الأقوى بيانه: إذا جعل العام أقوى دلالة والخاص أضعف، فأخرجت بالخاص الأضعف مما دل عليه العامُ الأقوى، فقد ألغيت الأقوى واعتبرت الأضعف؛ وهو باطل، وأجازه أبو الحسين.

وإن تساويا، فليس أحدهما أولى بالبطلان من الآخر، لأن إبطاله من غير دليل تحكم، وقال الكرخي يلزم المساواة أقل ما يمكن (1)؛ هذا في الظاهر، وأما المجمل فيكفي في بيانه أدنى دلالة ولو مرجوحا لعدم التعارض.

أي فإن كان المتقدم القول فحكم الفعل كما سبق، أو الفعل فالقول ناسخ للزائد منه- أي من الفعل، قلنا عدم النسخ بما قلناه أولى انتهى. وكأن المراد بقوله كما سبق أي من أن الزائد من الفعل يكون مختصا به صلى الله عليه وسلم.

قوله ويجب أن يكون البيان أقوى من المبين إلخ، فالمقيد أقوى دلالة من المطلق، فلذلك يحمل المطلق على المقيد إن لم يتأخر المقيد عن العمل بالمطلق، فإن تأخر عن العمل به نسخ منه ما لا يصدق عليه المقيد، ويشترط في الحمل والنسخ المذكورين أن يتفق حكمهما وموجبهما ويكونا ثابتين؛ كالرقبة في الظهار مثلا إذا فرض أنها جاءت مطلقة ومقيدة بالإيمان؛ لأن المقيد صار نصا فيما قيد به والمطلقة محتملة له ولغيره فيحمل عليه، وكذلك الخاص أقوى دلالة من العام، فإن تأخر عن العمل بالعام نسخ منه ما تعارضا فيه، وإلا بأن تأخر الخاص عن الخطاب بالعام دون العمل أو تأخر العام عن الخاص مطلقا أو تقاربا بأن عقب أحدهما الآخر أو جهل تاريخهما خصص الخاص العام، ولذلك لا يتعارض العام والخاص على الراجح خلافا للحنفية؛ لأن الخاص أقوى من العام في الدلالة على ذلك البعض الذي تعارضا فيه بحسب الظاهر؛ لأنه يجوز أن لا يراد من العام بخلاف الخاص فإنه دال عليه قطعا، كقوله صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء والعيون العشر) مع قوله (ليس فيما دون خمسة أوساق صدقة، فإن هذا خصص الأول بخمسة أوساق فما فوقها كما تقدم والله أعلم.

قوله: وإن تساويا، أي من جميع الجهات وجهل التاريخ فليس أحدهما أولى بالبطلان؛ لأنه ترجيح بلا، مرجح، بل يسقطان معا ويرجع إلى الأصل كما هو مشهور.

(1) جاء في (ب): "أقل مما يمكن".