شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ١٩٥171
﴿"﴾
=
في الحكم، وإنما الخلاف في أن الحكم ثابت في حق غير الموجودين لدخولهم لغة في نحو "يا أيها الناس" أو بدليل منفصل، الحنابلة على الأول، والجمهور على الثاني؛ لأن توجيه الخطاب اللفظي إلى المعدوم ممتنع لكونه غير فاهم اهـ ثم فرق بين الخطاب النفسي والخطاب اللفظي وكيف يتعلق النفسي دون اللفظي على معتقده من وجود الخطاب النفسي، إلى أن قال: والكلام في خطاب لفظي لا تعليق فيه، واعلم أن المولى سعد الدين قد قال في حواشيه إن قول الحنابلة غير بعيد وإن إطلاق لفظ الناس والمؤمنين على الموجودين والمعدومين على وجه التغليب سائغ فيصح لغة انتهى وظاهر كلام أصحابنا أنه لا تجوز مخاطبة المعدوم، قال في السؤالات في قوله تعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فيكون يس: 82 (1): فإن قال قائل هذه مخاطبة أو غير مخاطبة؟ قيل له هذا قول فعل لا مخاطبة؛ كقوله تعالى كُونُوا قِرَدَةً خَسِين الأعراف: 166 مبعدين ويقال لا يتكلمون، كونوا أي كوناهم وجعلناهم فإن قال مخاطبة قيل لا يعدو أن يخاطب معدوما أو موجودا، فإن قلت موجودا فكيف يخاطب الموجود بكن وقد كان هذا هذيان، وإن قلت يخاطب معدوما فما مخاطبة المعدوم إلا محال وخلف من المقال؛ فبطل الوجهان جميعا انتهى. فلعل مراد المصنف رحمه الله تعالى بمخاطبة المعدوم ثبوت الحكم في حقه على تقدير وجود من يبلغه بإجماع أو قياس، فيكون ماشيا على ما عليه الجمهور، ولكن يبعده التعبير بالجواز، والله أعلم فليحرر والعجب للمصنف رحمه الله كيف ساق عبارته في المتن ولم يتعرض لها في الشرح بشيء، ولعله تبع صاحب العدل في حكايتها ولم يتعرض لها بالبحث كراهة مخالفة المشايخ، قال أبو القاسم البرادي رحمه الله بعد حكاية الخلاف بين الأشعرية والمعتزلة في مخاطبة المعدوم ما نصه (2): مذهب المشايخ الكبراء في أمر المعدوم كمذهب المعتزلة لا يجوزونه، ولا يتجه عندهم الخطاب إلا مع وجود المخاطب، ولا فائدة عندهم لخطاب المعدوم ولا أمره ولا نهيه ولا تكليفه، ونرى الشيخ رضي الله عنه خالف الأصحاب واعترض عليهم، وسلك في هذه المسألة طريق الأشعرية ورجحها وانتصر لها، وسوغ خطاب المعدوم وأمره ونهيه بشرط إيجاده ووجوده يوما ما على مقالة السنية سواء، ولم يخالفهم إلا في تثبيت الكلام النفساني، وذهب بالكلام النفساني إلى طريقة السلف ونفي الضد ومنع الغيرية، واستدل على أمر المعدوم بقضية قررها إلخ فليراجع. وقوله رحمه الله وسلك في هذه المسألة طريق الأشعرية إلخ، فيه تأمل لأن جمهور الأشعرية على امتناع مخاطبة المعدوم بالخطاب اللفظي نحو "يا أيها الناس"، وإنما قال بذلك من الأشعرية الحنابلة كما تقدم، لأن الكلام في الخطاب اللفظي لا النفسي، فصاحب العدل في الحقيقة مختار الطريقة الحنابلة وبعض الحنفية، كما أشار التفتازاني إلى عدم بعدها والله أعلم فليحرر
(1)
السؤالات، اللوح: 163.
(2) البحث الصادق والاستكشاف، ص: 237