شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٢١٤

190

﴿190)﴾

معتزلة البصرة، وطائفة من الحنفية والشافعية على الإباحة. وعند الأشعري والصيرفي (1) على الوقف. لكن أدلة المعتزلة راجعة إلى العقل، وعند غيرهم إلى الشرع،

= الشرع ما نصه (2): وحكمت المعتزلة العقل في الأفعال قبل البعثة، فما قضى به في شيء منها ضروري كالتنفس في الهواء، أو اختياري لخصوصه بأن أدرك فيه مصلحة أو مفسدة أو انتفاءهما؛ فأمر قضائه فيه ظاهر، وهو أن الضروري مقطوع بإباحته، والاختياري لخصوصه ينقسم إلى الأقسام الخمسة الحرام وغيره؛ لأنه إن اشتمل على مفسدة فعله فحرام كالظلم، أو تركه فواجب كالعدل، أو على مصلحة فعله فمندوب كالإحسان، أو تركه فمكروه، وإن لم يشتمل على مفسدة ولا مصلحة فمباح، فإن لم يقض العقل في بعض منها لخصوصه بأن لم يدرك فيه شيئا مما تقدم كأكل الفاكهة؛ فاختلف في قضائه فيه لعموم دليله على أقوال ذكرها بقوله (فثالثها لهم الوقف عن الحظر والإباحة أي لا يدري أنه محظور أو مباح مع أنه لا يخلو عن واحد منهما؛ لأنه إما ممنوع منه فمحظور أو لا فمباح، وهما القولان المطويان إلخ، فتراه خص اختلاف المعتزلة بشيء خاص وهو ما لم يقض فيه العقل بشيء والله أعلم، ثم قال معتذرا عمن قال من أصحابهم بالحظر أو الإباحة ما نصه: وأشار بقوله لهم أي المعتزلة إلى ما نقله عن القاضي أبي بكر الباقلاني من أن قول بعض فقهائنا أي كابن أبي هريرة بالحظر وبعضهم بالإباحة في الأفعال قبل الشرع إنما هو لغفلتهم عن تشعب ذلك عن أصول المعتزلة للعلم بأنهم ما اتبعوا مقاصدهم إلخ.

قوله: لكن أدلة المعتزلة إلخ، قال المحلي ذاكرا لدليل المعتزلة (3): دليل الحظر أن الفعل تصرف في ملك الله بغير إذنه، إذ العالم أعيانه ومنافعه ملك الله تعالى، ودليل الإباحة أن الله تعالى خلق العبد وما ينتفع به، فلو لم يبح له لكان خلقهما عبثا أي خاليا عن الحكمة، ووجه الوقف تعارض دليليهما انتهى.

قوله: وعند غيرهم إلى الشرع، أما التحريم فلقوله تعالى: يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} المائدة:؛؛ فإن مفهومه أن المتقدم قبل الحل التحريم فدل على أن حكم الأشياء كلها على الحظر، وأما الإباحة فلقوله تعالى خَلَقَ لَكُم مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا البقرة: 29، فهذه مدارك شرعية دالة على الحال قبل ورود الشرع، فلو لم ترد هذه النصوص لقال هؤلاء الفقهاء لا علم لنا بتحريم ولا إباحة، بخلاف المعتزلة فإنهم يقولون المدرك عندنا العقل ولا يضرنا عدم ورود الشرع،

والله أعلم.

(1)

في النسخ الثلاث: "السيرافي" بدل الصيرفي. وهو خطأ، والصواب الصيرفي كما في جمع الجوامع، وهو محمد بن عبد الله الصيرفي، أبو بكر (ت) 330 هـ) أحد المتكلمين الفقهاء من الشافعية من أهل بغداد، قال أبو بكر القفال: كان أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي، له كتب منها: "البيان في دلائل الأعلام على أصول الأحكام في أصول الفقه، وكتاب "الفرائض". ينظر: وفيات الأعيان: ج 4، ص 199. الأعلام: ج 6، ص 224. (2) حاشية البناني على شرح المحلي: ج 1، ص 84 (3) حاشية البناني على شرح المحلي: ج 1، ص 88