شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٢١٦192
}
= رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمعها جميع الناس في أول يوم بعثه الله، ودعا بمكة يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الأعراف: 158؛ متى سمعوا في حين دعائه أم بعد ذلك؟، فإن قالوا في حين دعائه قيل لهم فهل كان جميع الناس موجودين كلهم في ذلك الحين حتى سمعوا بها أو لم يسمعوا أو كيف القصة في ذلك؟ أو كيف يكون من بالمشرق ومن بالمغرب يسمع دعوة رجل بمكة وهم عنها ناؤون، إلا أن يكون ذلك على جهة الإعجاز فحينئذ يتفق جميع الناس بأنهم قد سمعوا بها ونكون نحن اليوم لها سامعين، وهذا مما قد بان فساده، وفي هذا الباب حجج كثيرة لم أذكر منها إلا اليسير إلخ. وذكر قبل ذلك عن سعيد رحمه الله مسألتين أوردهما على عبد الله مبينا بهما فساد ما ذهب إليه حيث قال (1): إحداهما أن تخبرني هل يكون أحد على دين عيسى عليه السلام أو على غير دين عيسى من الأنبياء بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أكان واسعا له أن يقيم على ما هو عليه من دينه؟ قال نعم، فقال وكيف وسعه أن يقيم على ما هو عليه من دينه والناس عندك جميعا قد سمعوا بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، أو كنت تخص هذا الذي هو على دين نبي من أنبياء الله بأنه لم يسمع بدعوة رسول الله من دون الناس وأنت زعمت أن جميع الناس سمعوا بها؟، فكيف صم هو عن حجة سمعها من بالمشرق والمغرب؟، وهو أحرى أن يسمع لأنه قد كان يتوقع ذلك ويتوقع حدوثه، والمسألة الثانية أن قال له: أخبرني عن جميع ما
بها
فرض الله من الفرائض على لسان نبيه عليه السلام؛ هل سمع الناس بها جميعا حتى نالوا معرفتها أو لم يسمعوا؟، فإن كنت زعمت أنهم سمعوا بها فكيف سمع جميع من بالمشرق من ياجوج وماجوج والسند والهند، ومن بالمغرب من الإفرنج والبشاكمة والجلالقة (؟)؟، أو يكون هؤلاء كلهم سمعوا بدقائق الفرائض فى وجوه معمولاتها، فمن ادعى ذلك كان الوجود شاهدا بكذبه ناقضا عليه دعواه أو تكون تقول إن العمل بجميع تلك الفرائض على من ذكرنا محطوط حتى يسمعوا بها، وليس ذلك من مذهبك ولا من مذهب الإباضية إلا من شذ منهم ممن ذكرنا- يعني عيسى بن عمير ولحق بمذاهب أهل القدر؛ لأن مذهب الإباضية أن قالوا لا يسع ترك شيء من الفرائض علم التارك لها أو جهل، ولا يسع مقارفة شيء من المحارم علم المقارف لها أو جهل، فلما كانت الحجة فى عمل الفرائض قائمة على الناس =
(2)
-
(3)
(1) الموجز لأبي عمار: ج 2، ص 161 تورد كتب التاريخ أن البشكنس و أشهر بلادهم (نبرة) والجلالقة وأشهر بلادهم (جلِّيقية) جنسان متجاوران من الإفرنج النصارى يسكنون شمال الأندلس إسبانيا حاليا، وكانت بينهم وبين المسلمين في عهد الدولة الأموية حروب وصولات وجولات، وكانوا يناصرون بعضهم البعض ضد هجمات المسلمين عليهم. ينظر: الكامل في التاريخ، تأليف أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، المعروف بابن الأثير (ت:630 هـ)، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، الطبعة الأولى (1417 هـ 1997 م)، دار الكتاب العربي - بيروت، ج 5، ص 309. وأيضا: تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس،
(3)
تأليف د خليل إبراهيم السامرائي وأخرون، الطبعة الأولى (2000 م)، دار الكتاب الجديد- بيروت، ص: 164. عيسى بن عمير تلميذ لعبد الله بن يزيد الفزاري زعيم النكار، وكانا ممن انشق عن الإباضية، وخالفوهم في بعض المسائل، وتبعهم على ذلك أحمد بن الحسين، ولهم فرق تنسب إليهم، قال الدرجيني في الطبقات (مع أن طائفة تنتحل اسم الإباضية يقال لهم العمرية، لم تجمعنا وإياهم جامعة من قبل، وهم يزعمون أنهم إباضية ويسندون مذهبهم إلى عبد الله بن مسعود رحمه الله، وهم تبع عيسى بن عمير). ينظر: طبقات المشايخ: ج 1، ص 47، وأيضا الدليل والبرهان: ج 2،
ص 301