شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٢١٧

193

﴿19"﴾

ونفرض لذلك مثالا تظهر فيه ثمرة الخلاف نحو رجل كان في بعض الجزائر حيث لم ير أحدا، ولم يسمع برسول، أو في بلاد الصقالبة (1). فإن كان على دين نبي من الأنبياء، أو

دعاه من كان على دين نبي فأجابه، فلا تلزمه معرفة الرسول، بل واسع عليه (2) حتى

= كافة واجبة عليهم جميعا سمعوا بها أو لم يسمعوا؛ كان القول في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجملة بأنها قائمة على الناس واجبة عليهم جميعا سمعوا بها أو لم يسمعوا مثل ذلك، فما بلغنا أن عبد الله أجاب لسعيد في هاتين المسألتين جوابا، وأنا بنفسي قد سألت عن هذه المسألة في السماع بالفرائض بعض علمائهم، فما علمت بأنه أجابني عنها بجواب أقدر على حكايته على الحرص مني على ذلك، وقد بلغني أن من ضعفة القوم من يتكلف بالجواب عن عبد الله في هذه المسألة بأمر قد تبين فيه عوار ما تكلف به إلخ. وإنما سقت

هذا الكلام مع طوله لما فيه من بيان المذهب في قيام الحجة في جميع ما كلف به الإنسان.

قوله: ولم يسمع برسول، لعل المراد ولم يسمع برسول الله، وإلا فكيف يصح قوله فإن كان على دين نبي من الأنبياء؛ لأن من كان على دين نبي من لازمه أنه سمع برسول، وأقل ذلك رسوله الذي هو على دينه، وإنما فرض المسألة فيمن كان في بعض الجزائر، لأن من كان في موضع لا يعذر فيه بجهل محمد صلى الله عليه وسلم فلا يسعه إلا اتباعه ولو كان على دين نبي من الأنبياء، ولا يسع أحدا إلا أن يجيبه.

قوله فلا تلزمه معرفة الرسول، يعني ولا شيء مما اختص به دين الرسول عليه السلام، قال في السؤالات (3): وإن دعاه من كان على دين عيسى هل يستجيب له؟ قال نعم، وعلينا نحن أن نتولاه إذا علمنا، ولو أن هذا المجيب دعاه رجل من أهل دين محمد صلى الله عليه وسلم [فلم يجب، هل على المجيب ولاية الداعي، قال لا] (4) إلخ. يعني بل الواجب عليه العمل بما في شريعة عيسى عليه السلام حيث دخل فيها، ووسعه ذلك حتى تقوم عليه الحجة بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الواحد وإن كان تقوم به الحجة إلا أنه هنا عورض بالداعي الثاني فلذلك يتخير المجيب والله أعلم، وهذا كما تقدم إذا كان الداعي من شريعة مثلا في موضع يعذر فيه بجهل محمد صلى الله عليه وسلم، وإلا لزم كل من الداعي والمجيب شريعة محمد عليه السلام، وكذلك إذا كان الداعى من شريعة محمد عليه السلام اثنين في أي موضع كان فإنه قد قامت بهما الحجة على كل من سمع منهما، سواء كان على دين أو لم يكن فيجب اتباعهما كما هو معلوم.

عيسي

(1) يظهر من كلام المؤرخين أن بلاد الصقالبة مكان عند القسطنطينية وبلاد الأتراك، قال ابن كثير عند حديثه عن مسلمة بن عبد الملك بن مروان: (وفي سنة ثمان وتسعين غزا القسطنطينية فحاصرها، وافتتح مدينة الصقالبة وكسر ملكهم البُرجَان، ثم عاد إلى محاصرة القسطنطينية). البداية والنهاية، تأليف أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت:774 هـ)، تحقيق: د حامد أحمد الطاهر، الطبعة الأولى (1424 هـ - 2003 م)، دار الفجر للتراث- القاهرة، ج 9، ص 349. (2) جاء في (ب): "بل واسع له عليه". السؤالات، اللوح: 29. (4) ما بين المعكوفين نقلتُه من كتاب السؤالات حتى يكتمل المعنى.

(3)