شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٢١٩﴿190﴾
فليت شعري كيف أباحت له الكفر في الحالة الأولى من البلوغ؟ فما الفرق بين الأولى والثانية؟ ولم يكلفوه معرفة الرسول. فإن قلت: إن الأشعرية رجعت إلى المعتزلة في التحسين العقلي في وجوبهم الإيمان مع عدم الشرع. قلت: نعم لا محيد لهم عن ذلك. فإن قلت وكذا يلزمكم أيضا. قلت: لا، لأن الحجة عند أصحابنا الإلزام، فكل من بلغ الحلم أوجب الله عليه المعرفة، سمع أو لم يسمع، نظر أو لم ينظر.
والصواب أن العقل حجة كما أن الشرع حجة،
(1).
قوله: بين الأولى والثانية، أطال في الموجز في الرد عليهم في ذلك فليراجع (1
الموجز (2):
قوله ولم يكلفوه معرفة الرسول، يعني حتى تقوم عليه الحجة بذلك ويسمع به، قال في (2) وزعموا أن الناس قد يسلمون في أمر دينهم الله لما جعل الله في عقولهم من الكفاية، ولا حاجة لهم إلى منبه ولا معبر يعبر عن الله في شيء من أمره، وأن ما وراء ذلك من المعارف برسل الله وبكتبه وأن محمدا رسول الله وبأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق؛ فقد يسلم الناس عندهم بجهالة ذلك، وزعموا أنهم يسلمون بجهالة ما جميع أتى به محمد صلي الله عليه وسلم من الفرائض، وأنهم يسلمون بترك جميع ذلك، وأنهم يسلمون بفعل جميع ما حرم الله على لسان نبيه من المحارم، وأنهم غير مأمورين بمعرفة شيء من ذلك ولا بعمل شيء مما كان منه فرضا، إلى أن قال إذا كانوا لا يجدون في عقولهم المعرفة بشيء من ذلك حتى تكون الحجة قائمة عليهم، ووافقهم على ما وصفنا من مقالتهم من الإباضية عيسى ابن عمير. اهـ. ثم أخذ في بيان قيام الحجة عند أهل الحق وأنها بالكتب والرسل بما لا مزيد عليه، ولم يذكر في ذلك خلافا عن أحد من أصحابنا فليراجع.
قوله: قلت نعم لا محيد لهم عن ذلك، هذا قول لبعضهم كما تقدم والراجح عندهم أنه لا حكم إلا بالشرع، أقول: وكذلك من قال من أصحابنا بأن صاحب الجزيرة مثلا قامت عليه الحجة بالعقل وأن العقل يحسن ويقبح عند عدم الشرع رَجَعَ إلى قول المعتزلة، ولا محيد له عن ذلك حيث جعل الشرع في حق صاحب الجزيرة معدوما والله أعلم.
قوله: والصواب أن العقل حجة كما أن الشرع حجة إلخ، في جزمه بهذا تأمل من وجهين أحدهما أنه لا يناسب ما تقدم من تعريف الحكم بأنه خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف؛ لأن الخطاب معناه توجيه الكلام نحو الغير للإفهام وهذا لا يكون إلا بالشرع، فعلى ما اختاره فلا بد من زيادة قيد في التعريف لإدخال حكم العقل اللهم إلا أن يقال التعريف مبني على ما عليه الجمهور، والثاني: أنه يقتضي أن ما عليه الجمهور من أصحابنا خطأ مع =
(1)
سيذكر المحشي بعضا من كلام الموجز فيما سيأتي بعد قليل. (2) الموجز لأبي عمار: ج 2، ص 138