شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٢٢١197
﴿14﴾
فإن قلت: فررتم من قول أهل الفكر (1)، ثم رجعتم إليه قلت [إن] (2) التحسين عند أهل الفكر للعقل مطلقا، مع الشرع ومع عدمه؛ كما تقدم، إلا فيما لا يرجع إلى العقل.
وعند أصحابنا أن العقل يحسن ويقبح عند عدم الشرع،
= رسولا إلى خلقه ولا أنزل عليهم كتابا ولا شرع لهم دينا إلى أن قال: فسبحان الله عما يصفون ما أفضعها من مقالة إلخ ما شنع فيه، ولا شك أن كل من قال إن العقل تقوم به الحجة ويقطع به العذر ويحسن ويقبح ويترتب به الثواب والعقاب كالشرع؛ فقد لزمه ما أورد في الموجز رحمة الله على مؤلفه والله أعلم. قوله: للعقل مطلقا مع الشرع وعدمه إلخ، فيه تأمل فإن ظاهر هذه العبارة يقتضي أنهم يحكمون العقل ولو ورد الشرع، فإذا استحسن العقل مثلا شيئا أو استقبحه وورد الشرع بخلافه يجعلون الحكم للعقل، وليس كذلك وإلا لم يجز ذبح الحيوانات مثلا؛ لأن هذا يقبح في مع أنه ليس لمعتزلي ولا لغيره منع ذلك بعد ورود الشرع، فإن الذي نص عليه في الموجز كما تقدم أنهم يحكمون العقل ما لم تقم عليهم الحجة، والله أعلم فليحرر مراده، اللهم إلا أن يقال المراد أن المعتزلة ينسبون الأحكام للعقل وإن ورد الشرع بها، فشكر المنعم ينسبون فيه الوجوب إلى العقل، وظلم العباد مثلا ينسبون فيه التحريم إلى العقل وإن ورد الشرع بكل منهما، فالشرع عندهم في مثل هذا مؤكد لا موجب ولا محرم، ومن قال من أصحابنا بأن العقل يحسن ويقبح عند عدم الشرع فإذا ورد الشرع لا ينسب إلى العقل شيء
العقل،
بل إلى الشرع.
قوله: وعند أصحابنا أن العقل يحسن ويقبح عند عدم الشرع، لعل المراد بعض أصحابنا وهم صاحب العدل وابن بركة ومن وافقهما، وإن كان ظاهر عبارته الإطلاق، ثم إنه ينظر ما معنى عند عدم الشرع؟ هل مراده عند عدم وروده أصلا كما تقدم، أو عند عدم السماع به كمن كان في جزيرة ولم يسمع بالدعوة ولم يكن على دين نبي، فإن كان الأول فقد تقدم أن لأصحابنا في ذلك قولين: منهم من يقول إن الأشياء عند عدم ورود الشرع على الحظر، ومنهم من يقول على الإباحة، اللهم إلا أن يقال هذا قول ثالث لم يتعرض له فيما تقدم، وهذا عين ما ذهبت إليه المعتزلة من أنهم يحكمون العقل قبل ورود الشرع فيما يقضي =
في (ب): "أهل التفكر" بدل أهل الفكر، وكذا حصل في الموضع الذي بعده بقليل.
(2) ما بين المعكوفين ساقط من (أ).