شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٢٢٢198
﴿14﴾
فإن ورد الشرع بخلافه ترك، ورجع التحسين والتقبيح إلى الشرع، فالحاكم في الحقيقة هو الشرع.
قال ابن بركة العماني وقد سئل عن صاحب الجزيرة: كلفه الله في حال التكليف أن يعلم أن له خالقا ثم قال وعلم ذلك يقع له من طريق العقل ما يراه من خلق نفسه والأرض،
=
فيه بالحسن والقبح، واختلفوا فيما لا يقضي فيه على ثلاثة أقوال كما تقدم، وتقدم استشكال عدم ورود الشرع مع قيام الحجة على الخلق بالرسل من لدن آدم إلى يوم القيامة؛ لأن حجة الله متصلة، وتقدم جوابه أنه في غير التوحيد وما لا ينسخ كمحاسن الأخلاق، فعلى هذا لا يتأتي في التوحيد عدم ورود الشرع عندنا، وتقدم أيضا أن عدم ورود الشرع في غير التوحيد ومحاسن الأخلاق إنما يتأتى في زمانه صلى الله عليه وسلم وأما بعده فلا؛ لأنه لم يمت عليه السلام حتى أكمل الله دينه على يديه صلى الله عليه وسلم، ثم رأيت شارح العدل رحمه الله قد أشار إلى مثل هذا حيث قال عند قول الماتن رحمه الله مسألة ويتصل بهذا الحكم في الأشياء قبل ورود الشرع ما نصه (1): هذه المسألة جرت عادة الأصوليين بالخوض والتنازع فيها وهي عديمة الفائدة، والحاجة غير ماسة إليها حيث الشرائع ثابتة والحلال والحرام بين وحلال الله حلال إلى يوم القيامة، وحرام الله حرام إلى يوم القيامة، وإنما تفرض هذه المسألة على مذهب من يجوز تأخير التكليف عن البلوغ وصحة العقل، ويجوز أن يقع بالغ صحيح العقل غير مكلف، وهذا وإن قال به من قال فغير مكترث به ولا متبوع على هذا القول، وعلى قول من يفرض رجلا صادف نبيا من الأنبياء فشرع له الإيمان وأصل الدين والإسلام والفرائض ومات النبي قبل أن يشرع له الشرع على التفصيل والتمام؛ فما حكم ما لم يشرع له النبي فيه تحليلا ولا تحريما ولا إباحة؟ وإلا فهذه العبارة غير سديدة، وقولهم في الترجمة قبل ورود الشرع معناه قبل ورود الحكم، أليس الشرع في نفسه وحقيقته هو الحكم؟ فما فائدة قولهم ما حكم الأشياء قبل ورود الحكم وليس ثم حكم؟، والحكم في الحقيقة هو خطاب الله سبحانه إلخ فليراجع، وإن كان مراده الثاني وهو ظاهر سياق كلام ابن بركة ففيه إشكال أيضا؛ لأنه عين ما ذهبت إليه المعتزلة من التحسين والتقبيح. ومعذرة من جهل محمد صلى الله عليه وسلم وجهل سائر الفرائض وفعل سائر المحرمات إذا لم تقبح في عقله، وأن الحجة في ذلك لا تقوم إلا بالسماع، فليس هذا من مذهب الإباضية إلا عيسى بن عمير كما تقدم عن الموجز، فليحرر مراده.
قوله: فإن ورد الشرع بخلافه ترك ظاهره أنه لا يترك العقل إلا إذا ورد الشرع بخلافه وأنه إذا ورد موافقا له ينسب إليه التحسين والتقبيح وهذا غير ما ذهبت إليه المعتزلة، فالمناسب للفرق الذي أبداه أن يترك قوله بخلافه كما هو ظاهر، والله أعلم فليحرر.
(1) البحث الصادق والاستكشاف، ص: 267 - 268