شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٢٢٣

199

﴿199﴾

واختلاف الليل والنهار، ثم قال ويجب عليه الكف عما قبح في عقله، كقتل الحيوان وأكل لحومها، وعليه الإنكار على من فعل ذلك، ثم قال: لولا أن ذلك أجازته الشريعة لما كان حسنا (1) اهـ. ألا ترى كيف جعل الحاكم العقل، وأساغ له التقبيح، وهذا عند عدم الشرع، ولم يجعل له حكما عند وجود الشرع، ولم يذكر وجوب معرفة الرسول.

فإن قلت: إذا قررت أن الحسن و القبح راجعان في الحقيقة إلى الشرع، وأن الحجة هي الإلزام؛ فبم يتعلق الإلزام والتكليف؟ قلت: يتعلق بحكم الفعل لا بالفعل، نحو كونه حسنا وطاعة وواجبا، وصحة وما يقابلها، وليست هذه بأوصاف الأفعال، لأن قولك القتل ظلما

قبيح، والقتل قصاصا، حسن، فالفعل واحد، واختلف عليه الحسن والقبح بالاعتبارين (2). ومباحث هذا الفصل كثيرة، ولا تتضح إلا ببسط طويل، ومرادنا الاختصار، ولا يكفى الطالب المسترشد ما ذكرته، بل لا بد أن يطلبها في الكتب المبسوطة.

واعلم أن التكليف ليس من جهة المصلحة؛ لأن التكليف قد يكون ابتلاء وقد يكون رحمة. وقالت المعتزلة: إنما كلف الله عباده من جهة المصلحة؛ لقوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} النساء: 160.

فصل: في الرسول والرسالة.

قولي: (فصل: بعث النبي عليه السلام فبلغ ما بعث به إجماعا، وفي عذر من كان على دين نبي ولم تبلغه الحجة؛ ومن بلغه بعض أحكام الشرع خلاف ولا يسوغ أن يكلف الله

العباد ولا مثوبة ولا عقوبة، ويسوغ في العقل أن يجعل ثواب الطاعة ترك العقوبة، أو

قوله وقالت المعتزلة إنما كلف الله عباده من جهة المصلحة يعنى يجب عندهم مراعاة ذلك، وليس كما قالوا لأنه يلزم عليه قلب حقيقة الصلاح والأصلح الجائزة بأن ترجع واجبة، وذلك يمنع وقوع ضدها وهو الفساد، وكيف يمتنع وهو موجود بالمشاهدة.

(1) نقل هذا الكلام عن ابن بركة صاحب بيان الشرع: ج 2، ص 301، ونص عبارته كما يلي: مسألة: قلت فما تقول في رجل في جزيرة ولا علم له بالناس ولا بالشرائع هل كلفه الله شيئا من التعبد؟ قال: نعم كلفه الله في حال التكليف أن يعلم أن له خالقا خلقه وصانعا صنعه ودبره قلت وكيف يطلع على ذلك، وما دليله عليه؟ قال: علم ذلك يقع له من طريق العقل ما يراه من خلق نفسه ويعلمه من خلق أرضه وسمائه وليله ونهاره، واختلاف أحواله وأحوال ما يشاهده من الليل والنهار، وما يحدث فيهما، فذلك يدله على أن له صانعا صنعه، ومدبرا دبره، وفعله، وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قلت: هل يجب عليه شيء من التكليف سوى ما ذكرت؟ قال نعم قلت وما هو؟ قال: الكف عما قبح في عقله. قلت: مثل ما يكون هذا القبيح في العقل؟ قال: مثل قتل الحيوان، وأكل لحومها قلت ولم كان قتل الحيوان وأكل لحومها قبيحا في العقل؟ قال: لأن إيلام الحيوان وقتل ذوات الأرواح قبيح في العقل، ولولا أن جواز ذلك جاءت به الشريعة لما كان حسنا أن يأتي ذو روح إلى ذي روح مثله فيؤلمه ويقتله ويأكل لحمه، ولكن لا حظ للعقول فيما استقبحت مع ورود الشرائع بالإباحة. انتهى في (أ): "باعتبارين"، أي من غير زيادة الألف واللام.

(2)