شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦{202)
ومنعت المعتزلة دوام التكليف لأن فيه بطلان الجزاء، وهذا مع قولهم شكر المنعم واجب عقلا متناقض بيانه: أن المكلف لا ينفك من النعمة فيكون التكليف الدائم قضاء للنعم الدائمة. وباقي الفصل ظاهر. قولي: (واعلم أن الرسول عارف بالله قبل مبعثه، وشريعته ناسخة لما قبلها إلا التوحيد، وليس متعبدا بشريعة عيسى أو نوح أو إبراهيم أو أولي العزم، خلافا لزاعمي ذلك، وأمر باتباعهم في مكارم الأخلاق). قول أكثر العلماء جواز الذنب الصغير والكبير على الأنبياء قبل الرسالة، ومنعت المعتزلة الكبير عقلا، ومنع جواره الروافض مطلقا، وأجازه بعض حتى الكفر. وبعد النبوة أجمعوا على عصمتهم من الكبيرة والصغيرة الخسيسة، وأجاز الباقلاني الكذب غلطا لا عمدا، واختلف في غير هاتين.
=
تعالى مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَنَهَا الكهف: 49. قوله: والصغيرة الخسيسة، قال المحلي (1): كسرقة لقمة والتطفيف بتمرة إلخ. وفيه أن سرقة اللقمة كبيرة؛ لأن القليل من أموال الناس يورث النار.
قوله واختلفوا في غير هاتين، لم يبين رحمه الله ما هو المذهب، وظاهر كلام غالب أصحابنا عدم تنزيه الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين عن الصغيرة، وجعلوا ذلك غير قادح في حقهم، حيث قالوا المعصومون هم الممنوعون من الكبائر، وقال في السؤالات (2): ويقال لعامل الصغيرة أبق، قال تعالى إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} الصافات: 140 إلخ. وتمسكوا في ذلك بظواهر الآيات كقوله تعالى وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ) طه: 121، وقوله لَيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَرَ الفتح: 2، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ محمد: 19، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيتي الشعراء: 82، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَ رَاكِعًا وَأَنَابَ ص: 24، إلى غير ذلك من الآيات، والمراد أنه يجوز أن تقع منهم على جهة السهو والغفلة فينبهوا فينتبهون، وبعضهم أول هذه الآيات والأحاديث الدالة بحسب الظاهر على صدور الصغيرة كقوله صلى الله عليه وسلم: (إنه ليغان (3) على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة) (1) وقوله: (إني لأستغفر الله وأتوب =
(1) حاشية البناني على شرح المحلي: ج 2، ص 122. (2) لم أعثر على كلام صاحب السؤالات.
(3) قال النووي: "قوله صلى الله عليه وسلم (إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) قال أهل اللغة الغَينُ بالغين المعجمة والغَيمُ، بمعنى والمراد هنا ما يتغشى القلب، قال القاضي قيل المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذي
كان شأنه الدوام عليه … إلخ. شرح صحيح مسلم: ج 17، ص 23