شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٢٣٣209
﴿9﴾
لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} النمل: 18، أو بعبادته كقوله تعالى: يَجِبَالُ أَوِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ سبا: 10، و وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الرعد: 15، وغيرها من الآي. وعقوبتها في الدنيا إما طلبا لتأديبها أو لمصالحها، نحو وَتَفَقَّدَ الطَّير فَقَالَ مَالِي لا أَرَى الْهُدَهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْفَابِينَ) لأخذ بنهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَا أَنْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِينِي بِسُلْطَانٍ مُّبِين النمل: 20 - 21.
وإذا تأملت طاعتها لكبرائها وسياستها إياها كالجراد والنحل بل وغيرها من الأنواع؛ ظهر لك صدق ما ذكرت لك، وما ذكرت لك جوازا عقليا سواء وقع أو لم يقع، قال الله العظيم وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّلِ النحل: 68، أي ألهمها، وقد تقدم أن البعث يجوز أن يكون بالخط، والصواع، ومنطق الطير، والإلهام؛ فافهم.
واعلم أنه لا يجوز شرعا ولا عقلا أن يقبض الله الرسول قبل أن يبلغ، أو الأمة قبل أن يأتيها الرسول؛ لأن ذلك نوع من البداء وهو على الله تعالى لا يجوز. وكذا أن يرسل رسولا بتكذيب رسول آخر؛ لأن هذا عبث وليس من أفعال الحكيم.
= كله جائز عقلا، وقد شوهد منها ما يصدق ذلك، راجع العدل فقد ذكر أمرا عجيبا عن النمل والهدهد مع سليمان عليه السلام، وغير ذلك (1).
قوله: {يَجِبَالُ أَولِي مَعَهُ، قال في بعض التفاسير بعد قوله تعالى وَلَقَدْ آنَيْنَا دَاوُدَ مِنَا فَضْلًا سبا: 10: ثم بين ذلك فقال يَجِبَالُ أي قلنا يا جبال أَولِي مَعَهُ سبحي معه، وَالطَّير كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح وعكفت عليه الطير من فوقه تساعده على ذلك إلخ، أي تعينه. قوله: نوع من البداء، قال الشارح رحمه الله (2): وأما البداء فمعناه الظهور بعد الخفاء؛ وهو أن يظهر للإنسان علم أو رأي أو نظر لم يتذكره ولا علمه قبل ذلك، وهو لا يجوز على الله تعالى لأنه يرجع إلى أن يكون الله عالما في الحال بشيء لم يعلمه قبل ذلك، وحقيقته العلم بعد الجهل، تعالى وتقدس ربنا عن هذه المعايب إلخ، وقال في السؤالات (3): وهل يجوز أن رسله طفلا فلا يصل إليهم إلا وقد بلغ، أو مجنونا ولا يصل إلا وقد أفاق، أو عبدا فلا يصل إليهم إلا وقد أعتق، أو يرسله فلا يصل إليهم إلا وقد مات أو ماتوا؟ قال لا؛ لأن ذلك ضرب من البداء والله تبارك وتعالى يتعالى عن البداء. والعَدا أو البداء ظهور مالم يعلم، والعدا
يرد
الشغل والله لا يشغله شيء عن شيء.
(1) العدل والإنصاف: ج 1، ص 66. البحث الصادق والاستكشاف، ص: 261.
(2)
(3) السؤالات، اللوح: 64.