شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٢٤٣{219 (
}
شرط التكليف وما يتعلق به
قولي وشرط التكليف إمكان المكلف به وفهم المكلف، ولا يشترط في التكليف بالفروع حصول الإيمان خلافا لبعضهم).
" وشرط التكليف إمكان المكلف "به" أي الفعل المكلف به (1)، ولا يجوز التكليف بالمحال خلافا للأشعري؛ لأن التكليف طلب وهو استدعاء الحصول، وهو فرع تصور الوقوع وموقوف عليه، وباطل تصور وقوع المستحيل، ويشترط فيه أيضا فهم المكلف؛ لأنه مستدع حصول الفعل منه طاعة، وأيضا لو لم يشترط لصح تكليف البهيمة.
قوله: ولا يجوز التكليف بالمحال، أي لذاته بأن يمتنع عقلا وعادة؛ كالجمع بين السواد والبياض، أو لغيره إذا امتنع عادة لا عقلا؛ كالمشي من المزمن والطيران من الإنسان، وأما المحال لغيره إذا امتنع عقلا لا عادة فلا خلاف في جواز التكليف به ووقوعه؛ كالإيمان ممن علم الله أنه لا يؤمن كما سيأتي، لأن العقل يحيل إيمانه لاستلزامه انقلاب العلم القديم جهلا، ولو سئل عنه أهل العادة لم يحيلوا إيمانه فإنه ليس به زمانة تمنعه ووافقنا على ما ذكر من
عدم جواز التكليف بالمحال المعتزلة وأبو حامد الاسفراييني (2) والغزالي وابن دقيق العيد.
قوله: خلافا للأشعري، فإنه أجاز التكليف بالمحال واستدل له بقوله تعالى رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ البقرة: 286، فقال لو كان ذلك محالا لما استقام الابتهال إلى الله تعالى بدفعه، يعني لولا جوازه لما استعاذوا منه إذ الاستعاذة من محال محال، والخصم يتأوله على ما فيه كلفة ومشقة لقوله تعالى لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} البقرة: 286.
قوله وباطل تصور وقوع المستحيل، يعني فلا فائدة في طلبه من المكلف، وأجيب بأن فائدته اختبارهم هل يأخذون في المقدمات فيترتب عليها الثواب أو لا فالعقاب، أقول: وهذا نظير ما تقدم في التكليف بالمجمل قبل بيانه، وهذا الخلاف إنما هو في الجواز العقلي، وأما الوقوع فالحق عندهم أنه لا يقع في المحال لذاته بل إنما يقع في الممتنع؛ لتعلق العلم بعدم وقوعه كما هو متفق عليه لقوله تعالى {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا البقرة: 286، والممتنع لتعلق العلم في وسع المكلفين ظاهرا.
(1) في (ب): "العقل المكلف به"، والصواب: الفعل المكلف به … ، كما هو ظاهر. (2) أحمد بن محمد بن أحمد الأسفراييني، أبو حامد (ت: 406 هـ)، من أعلام الشافعية، ولد في أسفرايين (بالقرب من نيسابور)، ورحل إلى بغداد، فتفقه فيها وعظمت مكانته، وألف كتبا منها مطول في أصول الفقه، ومختصر في الفقه سماه الرونق، وتوفي ببغداد. ينظر: طبقات الشافعية الكبرى: ج 4، ص 61. وفيات الأعيان: ج 1، ص 72. الأعلام: ج 1،
ص 211.