شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٢٥٧233
}
ورطوبته وغضاضته بعد ما كانوا عظاما يابسة، مع أن العظام بعض أجزاء الحي بل هي عمود خلقه الذي يبنى عليه، سائره، فقال الله للمستبعدين: كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا الإسراء: 50 الذين هما أبعد شيء من الحياة، فإنه يقدر على إحيائكم.
فالظاهر عندي بعد أن أستغفر الله من خطئي أن مساق الآية لإظهار القدرة وعدم العجز، أي لا يعجزه شيء أراده، أي لو كنتم حجارة أو حديدا لقدر على ردكم أحياء، وأما التعجيز فهو إظهار عدم قدرة المخاطب، وليس هو المراد من الآية على ما ظهر من التفسير، ونستغفر الله من سوء الفهم وحمل كلام الله على غير مراده
وللتسخير: " كُونُوا قِرَدَةً خَسِنِينَ) البقرة: 65، ومعنى التسخير حصول الفعل وهو صيرورتهم قردة، وأنهم مسخرون الله منقادون لأمره، لا أنه يطلب منهم أن يكونوا
قوله: وغضاضته، أي طراوته، قال في الصحاح (1): وشيءٌ غضٌ وغَضِيضٌ أَي طري، تقول منه غَضِضْتَ وغَضَضْتَ غَضَاضَةً وغُضُوضَةً، وكل ناضرٍ غَضٌ نحو الشاب وغيره إلخ.
قوله: ومعنى التسخير حصول الفعل إلخ، قال ابن قاسم (2): الفرق بين التسخير وبين التكوين نحو كن فيكون يس: 82؛ أن التسخير إيجاد الشيء على حالة بعد أن كان على حالة أخرى، والتكوين إيجاد الشيء ابتداء بعد ما لم يكن؛ هكذا الاصطلاح انتهى.
قوله: وأنهم مسخرون له منقادون لأمره، قال المحلي في قول الماتن (والتسخير) (3): أي التذليل والامتهان، قال ابن أبي شريف (4): قوله أي التذليل والامتهان إشارة إلى جواب ما اعترض به القرافي وتبعه الزركشي من أن الأليق تسميته سخرية بكسر السين لا تسخيرا، فإن التسخير النعمة والإكرام قال تعالى {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الجاثية: 13، والسخرية الهزء قال تعالى: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيّا (الزخرف: 32، وتقرير الجواب أن التسخير يستعمل بمعنى التذليل والامتهان ومنه قوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا الزخرف: 13، أي ذلله لنركبه، وقولك فلان سخره السلطان أي امتهنه باستعماله دون أجر، وفي الصحاح والقاموس (5): سخَّرَهُ تسْخِيراً ذَلَّلَهُ. وهذا المعنى هو المراد هنا لا الاستهزاء انتهى.
(1) الصحاح للجوهري، ص: 850، مادة "غضض". (2) حاشية ابن قاسم على المختصر، اللوح: 160 (3) حاشية البناني على شرح المحلي: ج 1، ص 465 (4) الدرر اللوامع في تحرير شرح جمع الجوامع، ص: 133
(5) القاموس المحيط، ص: 405، مادة "سخر". وينظر الصحاح للجوهري، ص: 525، مادة "سخر".