شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٢٦١237
}
اختلفوا في حقيقة صيغة افعل:
واتفقوا أن صيغة "افعل" ليست حقيقة في جميع هذه المعاني، بل في بعضها: فقال الجمهور: إنها وضعت للوجوب فقط. وقال أبو هاشم (1): إنها للندب فقط.
وقيل للمعنى المشترك بينهما وهو الطلب، وقيل مشترك بينهما لفظا.
قوله: واتفقوا على أن صيغة افعل ليست حقيقة في جميع هذه المعاني، يعني أنه لا يقطع أحد بذلك، فلا ينافي ما سيأتي حيث قال (وقال بعض هو حقيقة في بعضها أوفي الجميع لكنا لا ندري فنتوقف).
قوله: فقال الجمهور إلخ، هذا شروع في بيان الخلاف في الحقيقي من المعاني السابقة بعد تمام سردها.
قوله: للندب فقط، قال لأنه المتيقن من قسمي الطلب، قال ابن أبي شريف (2): تقريره أن صيغة أفعل لطب وجود الفعل، فلا بد من رجحان جانبه على جانب الترك وأدناه الندب لاستواء الطرفين في الإباحة، وأما المنع من الترك الذي هو خاصة الوجوب فأمر زائد على الرجحان لم تتحقق إرادته، وقد عورض هذا الاستدلال من طرف القائل بالوجوب بأن الموضوع للشيء محمول على الكامل منه، لأن الأصل في الأشياء الكمال، إذ الكامل ثابت من كل وجه والناقص ثابت من وجه دون وجه، والكامل من الطلب ما اقتضى منع الترك وهو الوجوب دون الندب، فمن جعله للندب جعل النقصان أصلا والكمال عارضا وهو قلب المعقول، واعلم أن منال كل من الدليل والمعارضة إلى إثبات اللغة بالترجيح وليس من طريق إثباتها، فكلاهما فاسد الوضع انتهى.
قوله: وقيل للمعنى المشترك بينهما، أي موضوع للقدر المشترك بين الوجوب والندب، قائله أبو منصور الماتريدي (3) من الحنفية، وإنما قال بذلك حذرا من الاشتراك إن جعل حقيقة في كل منهما، ومن المجاز إن جعل حقيقة في أحدهما.
قوله وقيل مشترك بينهما لفظا، يعني فقد تعدد فيه الوضع بخلاف الأول.
(1)
عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي، من أبناء أبان مولى عثمان (247 - 321 هـ): عالم بالكلام، من كبار المعتزلة له آراء انفرد بها، وتبعته فرقة سميت "البهشمية" نسبة إلى كنيته أبي هاشم، وله مصنفات منها: الشامل في الفقه، وتذكرة العالم، والعدة في أصول الفقه. ينظر: وفيات الأعيان: ج 3، ص 183. الأعلام: ج 4، ص 7. (2) الدرر اللوامع في تحرير شرح جمع الجوامع، ص: 134 محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي (ت: 333 هـ)، من أئمة وعلماء الكلام، نسبته إلى ماتريد (محلة بسمرقند)، من كتبه التوحيد، وأوهام المعتزلة، ومآخذ الشرائع في أصول الفقه، وغيرها، مات بسمرقند. ينظر: الجواهر المضية: ج 2، ص 130. الأعلام: ج 7، ص 19.
(3)