شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٢٦٦

242

﴿YEY﴾

" إن وردت صيغة افعل بعد الحظر " الأكثر على أنها للإباحة

قوله: على أنها للإباحة، يعني حقيقة لتبادرها إلى الذهن في ذلك لغلبة الاستعمال فيها حينئذ، والتبادر من علامة الحقيقة كذا قاله المحلي (1)، قال ابن أبي شريف (2): قوله فللإباحة حقيقة أي شرعا كما يشير إليه قوله لغلبة استعمالها فيها، فإن هذه الغلبة في عرف الشرع كما سرح به القائلون بالإباحة في استدلالهم، قالوا غلب في الإباحة في عرف الشرع فيقدم على الوجوب الذي عليه اللغة انتهى وجوز اللقاني (3) أن يكون ما هنا مقيدا لما سبق من أنها حقيقة في الوجوب فقط، يعني بناء على أن القائل بالإباحة هنا هو القائل بالوجوب هناك، وهو ظاهر كلام المصنف فإنه حكى هناك الوجوب عن الجمهور والإباحة هنا عن الأكثر، فلا بد من الجمع بأحد الطرفين والله أعلم، واعترض ابن قاسم على المحلي في ترجيحه الإباحة على الوجوب حيث قال (4): واعلم أن مارجحه المصنف من الإباحة يشكل بما اشتهر من قاعدة ما كان ممتنعا إذا جاز وجب، وربما عبر بأنه إذا جاز صدق بالواجب، فإنه لزم على ما رجحه أن الممتنع جائز ولم يجب لشمول الجواز المنع للأمر بعده، ولا يظهر الفرق بينهما فإن ما نحن فيه محله إذا وردت صيغة افعل بعد الحظر وتلك القاعدة إذا ورد جواز شيء هو محظور، إذ هذا لا يقتضي معنى فارقا بينهما، بل قد يقال ورود صيغة افعل بعد الحظر أولى بالوجوب من ورود الجواز بعده إلخ ما أطال فيه. واستدل على الوجوب بعد الحظر بوجوب قطع يد السارق بعد أن كان حراما، وأكل الميتة للمضطر، ووجوب امتثال العبد أمر سيده إذا قال له اتجر في مالي مثلا بعد أن كان ممنوعا، وأطال في ذلك وذكر أن هذه القاعدة نقضت في بعض المواد، واعترض على المحلي أيضا بكلام الصفي الهندي وأن ترجيح الوجوب هو المنقول عن الجمهور إلخ. وأورد كلام الصفي الهندي ليتضح به ما ذكره المصنف عن الغزالي، وعبارته (): اختلفوا في الأمر الوارد بعد الحظر فالجمهور على أنه لا أثر لتقدم الحظر، وأن الأمر في اقتضاء مقتضاه من الوجوب أو الندب أو غيرهما بعده كما هو قبله، ومنهم من قال إنّ تقدم الحظر قرينة صارفة له عن مقتضاه إلى الإباحة وإن كان قبله مقتضيا للوجوب، ومنهم من فصّل وقال إن كان الحظر السابق عارضا لعلة عرضت وعلقت الصيغة بزوال تلك العلة؛ كقوله تعالى {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا المائدة: 2، وقوله عليه السلام (كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت فالآن فادخروها) (6)؛ فعرف الاستعمال يدل على أنه لرفع ذلك الحظر =

(1) حاشية البناني على شرح المحلي: ج 1، ص 472 (2) الدرر اللوامع في تحرير شرح جمع الجوامع، ص: 136

(3)

محمد بن حسن اللقاني، الشهير بناصر الدين (ت: 958 هـ)، وقد سبقت ترجمته.

(4) الآيات البينات: ج 2، ص 292 (5) المصدر السابق: ج 2، ص 293

(1) أخرجه الترمذي (1510) كتاب الأضاحي باب ما جاء في الرخصة في أكلها بعد ثلاث من طريق سليمان بن بريدة

عن أبيه، والنسائي (4433) كتاب الضحايا باب الادخار من الأضاحي، من طريق عائشة.