شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٢٦٨

{244 (

واستدل القائلون بالإباحة بقوله تعالى: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصَطادُوا المائدة: 2، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا الجمعة: 10، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} البقرة: 222، وقوله عليه السلام (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها) (1)، و (كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروا) (2).

واستدل القائلون بالوجوب بقوله تعالى: {فَإذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ التوبة: 5. ويجري على هذا الحكم سائر صيغ الأمر. تقدم أن صيغة الأمر للوجوب، سواء كانت ابتداء أو بعد ندب، وأما بعد الحظر فالحظر قرينة صارفة له عن الإيجاب إلى الإباحة.

قوله واستدل القائلون بالإباحة إلخ، وكذلك القائل بالتفصيل استدل بالآية والحديث الثاني؛ لأن الحظر فيها كان لعلة، وهي الإحرام في الآية والدافة أي الضيوف التي دفت في الحديث، فلما زالت العلة رجع الحال إلى ما كان عليه من الإباحة.

قوله: واستدل القائلون بالوجوب إلخ، قال المحلي في الآية (3): إذ قتالهم المؤدي إلى قتلهم فرض كفاية انتهى فهو حقيقة في الوجوب على هذا القول، ومجاز فيه على الأول بالقرينة على خلاف الغالب في استعماله، والأمثلة السابقة على العكس.

قوله ويجري على هذا الحكم سائر صيغ الأمر، لعله من نحو افعل وليفعل وفعال، وغير ذلك مما يدل على الطلب بغير افعل نحو ألزمت وفرضت وحتمت وأوجبت فإن الظاهر أن هذا يدل على الوجوب ولو بعد الحظر، وتقدم أيضا عن الغزالي أن نحو أنتم مأمورون وأمرتكم أيضا هي افعل في جميع المواضع إلا في هذه الصورة وما قاربها (4)، وأنه لا يحتمل الإباحة بل الوجوب أو الندب وهو ظاهر، فإن صح قيّد به أيضا كلام المصنف والله

أعلم.

قوله فالحظر قرينة صارفة إلخ، ظاهره أنها مجاز في الإباحة بعد الحظر، وقد صرح غيره ممن قال بأن صيغة أفعل بعد الحظر للإباحة بأنها حقيقة شرعية أو لغوية؛ لتبادرها وغلبة الاستعمال فيها كما تقدم، وقد يقال المراد أنها صرفتها القرينة عن موضوعها اللغوي وهو الوجوب فصارت حقيقة شرعية بعد ذلك، والله أعلم.

(1) أخرجه الربيع (481) كتاب الجنائز: باب في القبور، من حديث ابن عباس، وابن ماجة (1571) كتاب الجنائز: باب

ما جاء في زيارة القبور من حديث ابن مسعود. (2) سبق تخريجه.

(3) حاشية البناني على شرح المحلي: ج 1، ص 472

(4)

سبق كلام الغزالي هذا في أول المسألة.