شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٢٨١{257)
}
فقال قوم: الأمر بالشيء هو النهي عن ضده، فيدل عليه مطابقة، والنهي عن الشيء أمر بضده كذلك. وقال قوم: الأمر بالشيء نهي عن ضده الأعم مطابقة، وكذا عكسه.
= ماصدقه نهيا عن ضده منها ولا متضمنا له قطعا كما في الواجب المخير، فإن الأمر على التخيير قد يتعلق بالشيء وضده، والمراد من الضد في قوله (نهي عن ضده) الوجودي احترازا عن العدمي، أي ترك المأمور به، فالأمر نهي عنه أو يتضمنه قطعا فليس من محل النزاع، بل النزاع إنما هو في الضد الوجودي.
قوله: فقال قوم الأمر بالشيء نهي عن ضده إلخ، أي الأمر بشيء معين إيجابا لا ندبا- أخذا من كلامه الآتي حيث قال سواء كان وجوبا أو ندبا -إلخ نهي عن ضده الوجودي تحريما لا كراهية، واحدا كان الضد كضد السكون أي الحركة، أو أكثر كضد القيام أي القعود وغيره، إلا أن المراد النهي عنها بدليل قوله بعد (عن ضده (الأعم والله أعلم، فالأمر بالسكون مثلا أي طلبه هو نفس النهي عن الحركة أي طلب الكف عنها، بمعنى أن الطلب واحد هو بالنسبة إلى السكون أمر وإلى الحركة نهي كما يكون الشيء الواحد بالنسبة إلى أمر قريبا وإلى آخر بعيدا، ودليل هذا القول أنه لما لم يتحقق المأمور به بدون الكف عن ضده كان طلبه طلبا للكف عنه (1)
قوله عن ضده الأعم، الفرق بينه وبين القول الأول على ما يفهم من كلامه أن ذلك يقصر الضد على واحد إذا تعدد إلا أنه غير معين، وهذا لا يقصره، فالأول يقول الأمر بالشيء نهي عن ضد ما، وهذا يقول نهي عن كل ضد، لكن المناسب حينئذ أن يقول في الأول مثلا عن ضد واحد، وإلا فقوله "ضده" مفرد مضاف فيعم حيث لا عهد والله أعلم، ولم يذكر في جمع الجوامع وشرحه أن الأمر بالشيء نهي عن ضده مطلقا هكذا إلا قولا واحدا، وعمم فيه الشارح في الوجوب والندب، وفي التحريم والكراهة، وفي الضد واحدا كان أو أكثر، والمصنف ذكر فيه ثلاثة أقوال فرق بينهما بقوله في الثاني (عن ضده الأعم) وقوله بعد (سواء كان وجوبا أو ندبا، وهذا أعمها بحسب الظاهر، فيكون حاصله الأمر بالشيء إيجابا أو ندبا نهي تحريما أو كراهة عن ضده، واحدا كان أو أكثر مطابقة والله أعلم، فيكون هو مراد صاحب جمع الجوامع، ونسبه إلى أبي الحسن الأشعري والقاضي الباقلاني في أول قوليه والله أعلم فليحرر.
قوله: وكذا عكسه، ظاهره أن النهي عن الشيء يكون أمرا بضده الأعم، فيكون مأمورا بكل ضد وليس كذلك، بل المراد أن النهي عن الشيء أمر بضد ما من أضداده؛ لاستحالة أن =
(1) الضمير في "طلبه" عائد على المأمور به، والضمير في "عنه" عائد على الضد.