شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٢٩٤270
﴿Y﴾
وخالفت الأشعرية؛ قالوا لو لم يتعلق التكليف بمعدوم لم يكن التكليف أزليا؛ لكن كلامه أزلي لامتناع قيام الحوادث بذاته، ومن أقسام الكلام الأمر والنهي والخبر والاستخبار، والأمر والنهي تكليف.
الجواب: أنا لا نسلم أن الكلام أزلي، ولا يلزم من بطلانه قيام الحوادث بذاته تعالى؛ لأن بعض الكلام قائم بالبعض، ومحل الكلام اللوح المحفوظ بَلْ هُوَ قُرْوَانُ تَجِيدُ فِي لَوْحٍ تَحْفُوظ البروج: 21 - 22، ولو لزم من إضافة الكلام إلى نفسه أن يكون صفة له في ذاته
قوله ومن أقسام الكلام الأمر والنهي إلخ، قال في السؤالات (1): ومعنى أمر الله بهذا خلق الأمر به لا من أحد، ومعنى نهي الله عن هذا خلق النهي به لا من أحد، فلو كان بمعنى أمر الله بهذا أي خلق الأمر به لا غير لوجب بذلك أن يكون كل أمر خلقه الله آمرا به، ويدخل في ذلك أمر الشيطان بالمعصية، وكذلك نهى الله عن هذا أي خلق النهي عنه لا من أحد، ومعنى لا من أحد أي لا فعل لأحد في أمره ونهيه انتهى ثم إن الأمر والنهي من قبيل خطاب التكليف بخلاف الخبر والاستخبار كما يشير الشارح إلى ذلك فليحرر.
قوله: لأن بعض الكلام قائم بالبعض، فإن أراد رحمه الله بالبعض الثاني البعض الأول فلا معنى لذلك، لأنهما إما حادثان أو قديمان أو أحدهما قديم والآخر حادث أو بالعكس، فإن كان من القسم الأول امتنع باتفاق لأن الحادث لا يقوم بالحادث وإلا دار وتسلسل، وإن كان من القسم الثاني فإن المصنف ممن لا يرى ذلك؛ لأن مآله إلى تعدد القدماء وقد علمت ما فيه، وإن كان من القسم الثالث فهو الذي أبطله الخصم لاستلزامه قيام الحادث بالقديم، وإن كان من القسم الرابع فبديهي البطلان لاستحالة قيام القديم بالحادث، فالأولى له رحمه الله أن يقتصر على عدم تسليم الكلام الأزلي؛ لأن هذا كله مبني على ثبوت الكلام النفسي الأزلي، والمصنف ممن لا يقول به فيكون جوابا بالمنع المجرد وهو كاف في الجواب، لأن المقرر في البحث أن المانع إما أن يمنع منعا مجردا، وإما أن يمنع منعا بسند، وإما أن يمنع منعا بدليل، وكل من السند والدليل غير لازمين للمانع، فإن أتى بهما فهو متبرع لعدم لزومها له في الصناعة الأدبية، وإن أراد أنه غيره فيحتاج إلى بيانه وإقامة الدليل على غيريته وإلا لكان ظاهر البطلان، فليتأمل كلام المصنف والله أعلم.
قوله: أن يكون صفة له في ذاته إلخ، أراد بالصفة عندهم معنى زائدا على الذات قائما بها، لا صفة فعل بمعنى خالق الكلام ولا صفة ذات بمعنى نفي الخرس كما نقول به، =
(1) السؤالات، اللوح: 79.