شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٣٠

}

AA

حكمته، مُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَنْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ النمل: 88.

وقولي: (وتمييز العقول إتقان نظمه على معرفته دليل الصدق والعقل جوهر بسيط ثابت لا يقبل التغيير، وقيل علوم ضرورية، وقيل فيه غير هذا، والإتقان الإحكام بأن يوضع الشيء في موضعه والنظم حسن التأليف والعقل لو لم يخلق لكان سائر الخلق عبثا وباطلا وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ الدخان: 38 - 39.

بيانه أن بالعقل يحصل التمييز التام، والقياس الكامل، مثلا ينظر الإنسان في حسن تركيب نفسه، وتأليف الحيوان، وعدم تفاوت السماء، وجري الفلك، وجري النجوم فيه، وجري الأنهار في الأرض، وإنباتها الربيع بعد يبس لملاقاة المياه؛ والقياس مثلا بأن هذا التغيير لهذا الخلق ليس منها بل من غيرها، ولا يجوز أن يكون ممكن الوجود بل واجب قديم وإلا لدار وتسلسل،

= عاقلا لم تظهر خسة الغافل وجهله وسقوطه، ولو خلقه كله غافلا لم يظهر شرف العقل وفضله وارتفاعه ولولا العقل لم يقع التكليف، إذ لو خلق العاقل مهملا لبطلت فائدته وتساوى العاقل والجاهل والغافل، وكان هذا فعل العابث وإليه الإشارة بقوله تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدى القيامة: 36، ونتيجة العقل التكليف ونتيجة التكليف الأمر والنهي، ونتيجة الأمر والنهي رضا الله وسخطه انتهى.

(1)

قوله: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَنْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ النمل: 88، قبل هذه الآية {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ النمل: 88، قال المحلي (1): صنع منصوب مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله، أضيف إلى فاعله بعد حذف عامله، أي صنع الله ذلك صنعا انتهى.

قوله: وتمييز العقول إلخ، المقصود إنما هو تفسير الإتقان، وأما العقل فسيأتي تعريفه في المتن في آخر المقدمة قريبا وسنتكلم عليه إن شاء الله إذا صرنا إليه.

قوله إلا بالحق، قال المحلي (2): أي محقين في ذلك فيستدل به على قدرتنا ووحدانيتنا وغير ذلك اهـ. فيؤخذ منه أن قوله بالحق حال من فاعل خلق

قوله وإلا لدار وتسلسل، أقول بيان ذلك أن الدور هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه، إما بمرتبة كتوقف (أ) على (ب)، و (ب) على (أ)، أو بمراتب كتوقف (أ) على (ب)، و (ب) على (ت)، و (ت) على (أ)، وهو محال لما يلزم عليه من اجتماع الضدين، =

(1) تفسير الجلالين، للإمامين جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، الطبعة الثانية (1415 هـ 1995 م)، مراجعة الاستاذ مروان سوار، دار الجيل بيروت، ص: 384.

(2) تفسير الجلالين، ص: 497