شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٣١

V

}

وأيضا فإن هذا التغيير دليل الحدوث، والمحدث لها أولا قادر على إعادتها ثانيا، فلولا العقل لم يفهم شيئا (1) من هذا.

= وبيانه أن المتوقف متأخر عن المتوقف عليه، فلو توقف كل منهما على الآخر لزم كون كل منهما متقدما متأخرا وهو محال وبيان بطلان التسلسل ما فيه من لزوم وجود ما لا نهاية له من الممكنات، وهو محال كما بين في محله، فيتعين كون الفاعل لهذا الخلق قديما والخلق حادث والله أعلم.

15

قوله ولولا العقل لم يفهم شيء من هذا، أقول هو كما قال رحمه الله لأنها أمور عقلية، غير أنه لا يكفي في التكليف بل لا بد من مخبر ومنبه على ذلك، لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ أي ولا مثيبين حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء: 15، ولم يقل حتى نركب عقولا كما هو معلوم عند من مارس علم الكلام، وسيأتي للمصنف التنبيه على ذلك، وذكر الشيخ [أبو] قاسم البرادي رحمه الله في هذا المحل كلاما لا بأس بنقل بعضه لما فيه من زيادة الفائدة حيث قال (2): لما اقتضت حكمة الله إيجاد الخلق وإيجاد العقل بعد إيجاد الخلق وإيجاد التكليف بعد إيجاد العقل أو مع وجود العقل أو قبله على خلاف ركب في العقل علومه ونقشها فيه كالنقش في الحجر، وانتصبت حجة الله على المكلفين العاقلين، وشهدت بها عقولهم وعرفوها عقلا وتوقيفا، فالعقل ما عرفوه حقيقة إلى أن قال والتوقيف هو ما قال الله سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ

مِنْ بَنِي عَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدنا الأعراف: 172، قال (3): واختلفت العبارات والتفسيرات كيف وقع هذا، فقيل بالحقيقة وأن الله أخرجهم من صلب آدم جميعا وركب فيهم العقل والحواس فقال لهم ألستم عدما قبل وجودكم فصرتم الآن وجودا بعد أن كنتم بالأمس عدما فقالوا نعم، قال من أوجدكم وصيركم الآن وجودا بعد أن كنتم بالأمس عدما، فقالوا أنت ربنا خلقتنا وأحييتنا، فقال من ربكم ومن تعبدون؟ فقالوا أنت ربنا نعبدك ونطيعك، فقال أتشهدون لي بجميع هذا على أنفسكم؟ قالوا نعم فأشهدهم على أنفسهم (4)، وقيل أن جميع هذا على التمثيل والإشهاد بلسان الحال، فكأنه لما نصب لهم من الأدلة والبدايع، وبما ركب فيهم من العقول والفهم والتمييز والاستدلال استعطفهم وأشهدهم على أنفسهم: قال وكيف كان فقد وفقهم وأقدرهم فهذه هي الحجة المتقدمة، وهي حجة آدم عليه السلام قال: فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين انتهى، وهو كلام واضح إلا قوله ألستم =

(1) هكذا ورد في النسخ الثلاث بالنصب، وهو خطأ من النساخ، والصحيح (شيء) بالرفع كما جاء في الحاشية على أنه

نائب فاعل.

(2) البحث الصادق والاستكشاف، ص: 3 (3) البحث الصادق والاستكشاف، ص: 3 - 4

(4) أخرجه الحاكم في المستدرك (3255) كتاب التفسير سورة الأعراف، من حديث أبي بن كعب، بلفظ مختلف