شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٣٠٦﴿YAY﴾
والصحيح أن الجميع يدل على فساد المنهي عنه شرعا؛ لأن الصحابة ومن بعدهم لم ينفكوا يستدلون على الفساد بالنهي ولا منكر، وأيضا لو لم يدل على مفسدة لزم من
قوله: والصحيح أن الجميع مما يدل على فساد المنهي عنه، فتعبير المصنف بالصحيح يدل على أن مذهب أبي حنيفة باطل؛ لأن النهي عنده لا يدل على فساد المنهي عنه على الإطلاق، إلا أن ما في كتب الحنفية ليس على الإطلاق بل يفصلون فيه، ويقولون إن النهي الشرعي إذا كان النهي لعينه بأن دل الدليل على ذلك فباطل معاملة كان أو عبادة، وإن كان لوصفه بأن دل دليل على ذلك أو أطلق النهي فهو صحيح بأصله فاسد بوصفه، معاملة أو عبادة، وإن كان لمجاور فغير فاسد وفسروا الوصف باللازم الخارج؛ كالإعراض عن الضيافة في صوم يوم النحر، وفسروا المجاور بالشيء الذي يصحب المنهي عنه ويفارقه في الجملة؛ كالاشتغال بالبيع وقت نداء الجمعة عن السعي الواجب، فإنه قد يوجد الاشتغال بغير البيع. انتهى كلام ابن قاسم في الآيات (1). والأولى للمصنف التعبير بالأصح لأن أبا حنيفة من المجتهدين المعتبرة أقواله في الأصول، أو أن المصنف لم يعتبر قوله لفساده عنده حتى ساغ له ذلك والله أعلم.
قوله: لم ينفكوا يستدلون إلخ، أي لم يزالوا، فهي للنفي ودخل النفي عليها فيكون المعنى على الإثبات لأن نفى النفى إثبات، والمعنى أن الصحابة ومن بعدهم مستديمون الاستدلال على الفساد بالنهي، وصريح عبارة العضد (3) أن علماء الأمصار في الأعصار لم يزالوا
يستدلون على الفساد بالنهي في أبواب الربا والأنكحة والبيوع وغيرها انتهى.
قوله وأيضا لو لم يدل على مفسدة، مراد المصنف رحمه الله الاستدلال على أن النهى يدل على فساد المنهي عنه بدليلين؛ أحدهما نقلي وهو فعل الصحابة ومن بعدهم، والثاني عقلي وهو قياس شرطي ينتج من استثناء نقيض تاليه نقيض مقدمه كما هو معلوم من محله، و"مفسدة" يحتمل أن تكون مصدرا ميميا بمعنى الفساد أو اسم مكان والظاهر الأول، وعبارة
العضد (3): وأيضا لو لم يفسد لزم من نفيه حكمة يدل عليها النهي انتهى.
(1) الآيات البينات: ج 2، ص 335.
()
) شرح
العضد، ص: 178.
(3) المصدر السابق، ص: 178.