شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٣٠٧

{283

}

نفيه حكمة يدل عليها النهي، ومن ثبوته حكمة تدل عليها الصحة، وإن تساوتا تساقطتا فلا فائدة في النهي، وكذا إن ترجحت حكمة الصحة لخلوها عن المصلحة، وإن ترجحت حكمة النهي بطلت الصحة ونقيضها الفساد فيكون ثابتا؛ لأن المقصود الذي شرع له الحكم إما حصول مصلحة أو دفع مفسدة، والنهي لا تحصل المصلحة منه إلا بارتكاب مخالفة النهي، فدل على أنه لدفع مفسدة.

قوله لزم من نفيه حكمة يدل عليها النهي الضمير في نفيه عائد إلى الفساد المفهوم من المفسدة إذ هي بمعناه والضمير في عليها عائد إلى الحكمة والمعنى لو لم يدل النهي على مفسدة لزم من نفى الفساد حكمة أخرى غير الفساد يدل عليها النهى؛ لاستحالة خلوه عن الحكمة. وقوله بعد (ومن ثبوته حكمة تدل عليها (الصحة الضمير في "ثبوته" عائد إلى الفساد كسابقه، وفي "عليها إلى الحكمة على معنى كون الفساد حكمة تناط به الصحة، بيانه أن النهي إما أن يدل على الفساد أو لا يدل، فإن لم يدل على الفساد استدعى حكمة غيره يناط بها وهي غير موجودة حينئذ، فحيث انتفى الفساد ثبت نقيضه وهو الصحة، ولا بد لها من حكمة تناط بها لعدم خلوها عن المصلحة، ثبت أنها للفساد لما بين الأمرين من التناقض، وقد علمت من هذا أن الغرض الاستدلال على أن النهي يفيد الفساد وإلا لزم ما ذكر، فحيث بطل ثبتت دلالته على الفساد وهو المطلوب، فقد استدل على ثبوت الشيء بإبطال نقيضه كما هو قاعدة القياس الشرطي، وعبارة العضد أبين من عبارة المصنف حيث قال (1): وأيضا لو لم يفسد لزم من نفيه حكمة يدل عليها النهى ومن ثبوته حكمة تدل عليها الصحة واللازم باطل لأن الحكمتين إن كانتا متساويتين تعارضتا وتساقطتا، فكان فعله كلا فعل فامتنع النهى عنه لخلوه عن الحكمة، وإن كانت حكمة النهى مرجوحة فأولى لفوات الزائد من مصلحة الصحة وهي مصلحة خالصة، وإن كانت راجحة امتنع الصحة لخلوه عن المصلحة أيضا، بل لفوات قدر الرجحان من مصلحة النهي وأنها مصلحة خالصة. انتهى. فليتأمل فإن هذا المقام مما يرتب فيه السالك المرام، فليلق له ولمثله بصره وبصيرته وقلبه وقريحته وليسأل من بيده أزمة التحقيق فتح قفله فإنه بذلك حقيق.

قوله والنهي لا تحصل المصلحة منه إلا بارتكاب مخالفة المنهي عنه، المراد بالمصلحة في جانب النهى ما لأجله شرع، والمراد بالارتكاب الامتثال، فإن قيل كيف يتصور الامتثال في جانب النهى مع أنه كف وترك، فأين الامتثال والفعل، قلنا المراد بالامتثال والفعل ما يعم الأفعال الظاهرة والباطنة فيدخل الكف والترك فيهما، فهما فعلان للنفس وممتثلان لها، =

(1) شرح

العضد، ص: 178.