شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٣١٣

{289]

289

}

وقيل إذا كان لعين الماهية دون وصفها، ونسب إلى أبي حنيفة، نحو: لا تصم يوم العيد، ولا تبع بالربا، لأن النهي إذا أضيف إلى الماهية الشرعية كالصوم والبيع والنكاح صرف إلى الوصف وإلا ناقض الأصل؛

قوله: وقيل إذا كان لعين الماهية، يعني أن أبا حنيفة يقول النهي لا يدل على الفساد إلا إذا كان النهي لعين الماهية دون وصفها، وعبارة جمع الجوامع مع شارحه (1): قال أبو حنيفة مطلق النهي لا يفيد الفساد مطلقا أي سواء كان لخارج أم لم يكن له، لما سيأتي في إفادته الصحة، قال نعم المنهي عنه لعينه كصلاة الحائض وبيع الملاقيح غير مشروع ففساده عرضي، أي عرض للنهي حيث استعمل في غير المشروع مجازا عن النفى الذي الأصل أن يستعمل فيه إخبار عن عدمه لانعدام محله انتهى قال الكمال (2): قوله "ففساده عرضي" فيرد على ذلك بأن المنهي عنه يجب أن يكون متصور الوجود شرعا، بحيث لو أقدم عليه المنهي لوجد، حتى يكون العبد مترددا بين أن يقدم عليه مختارا فيعاقب، وبين أن يكف عنه مختارا فيثاب بامتناعه، وما ليس بمشروع لا يتصور وجوده شرعا، والنهي عن المستحيل عبث، فالنهي المتعلق به ليس على حقيقته بل استعمل مجازا عن النفي، والعلاقة المشابهة بينهما في اقتضاء عدم الفعل انتهى.

قوله: لأن النهي إذا أضيف إلى ماهية شرعية إلخ، ظاهر كلام المصنف رحمه الله أن الأمثلة الثلاثة مما يتطرق إليها الاحتمال حيث قال أولا (وقيل إذا كان لعين الماهية دون

أن

وصفها نحو لا تصم إلخ)، وقال ثانيا (صرف) إلى الوصف وإلا ناقض الأصل)، مع المقرر في كتب الحنفية يأبى ما ذكره المصنف، حيث قالوا المنهي عنه لعينه فساده عرضي كصلاة الحائض وبيع الملاقيح، والمنهي عنه لوصفه كصوم يوم النحر للإعراض به عن الضيافة، وبيع درهم بدرهمين لاشتماله على الزيادة، فيفيد النهي فيها الصحة له؛ لأن النهي عن الشيء يستدعي وجوده وإلا كان النهي لغوا، فيصح صوم النحر عندهم عن نذره، ويصح البيع المذكور إذا سقطت الزيادة، وأنت خبير بالفرق بين المقرر في كتبهم وبين ما نسبه المصنف إليهم، ثم ينبغي أن يقال في تحرير المقام الماهية إما أن تعتبر بدون وصفها أو به فإن اعتبرت بدون الوصف فهو المنهي عنه لعينه ففساده عرضي كما تقدم، وإن اعتبرت مع الوصف فهو صحيح بأصله فاسد بوصفه، وإلى هذا يشير العلامة الشهاب القاسمي في الآيات حيث قال (3): وهذا معنى قول الحنفية أن المنهي عنه لوصفه- بأن دل الدليل على ذلك أو أطلق -النهي صحيح بأصله فاسد بوصفه معاملة أو عبادة أنتهى.

(1) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي: ج 1، ص 502.

(2) الدرر اللوامع، ص: 155.

(3) الآيات البينات: ج 2، ص 337. والشهاب القاسمي هو شيخ ابن قاسم العبادي صاحب الآيات البينات.