شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٣١٩

﴿190﴾

يمسكها ولا يبالي، والثاني يبيعها ويمسك مقدار ما أنفق ويتصدق بالباقي، والثالث يبيعها ويمسك جميع الثمن، قال المصنف (1): حكاه سلمة الدرجيني عن الشيخ أبي الربيع رضي الله عنهما. وإن دخل عليها محققة فكالحرام، وغير محققة كالذي يكون في يد من لا يتقي الحرام فيردها وينفق مثلها ويأثم.

واعلم أن الأموال قبل ورود الشرع على الحظر؛ لأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه، وهو قول أكثر معتزلة بغداد وأكثر أصحابنا وقيل بالإباحة، ونسب إلى جماعة، وهو قول

=

أولى به من غيره، والقول الثاني يتصرف فيها بالبيع ليتحقق قيمتها، ثم يأخذ ما أنفق عليها إن كان مما يستحق النفقة ويتصدق بالباقي، وسند هذا القول قوله عليه الصلاة والسلام (لا) يحل مال امرئ مسلم إلا بأحد ثلاثة) (2)، وكونه يتصدق بالزائد على قدر النفقة لأن كل مجهول سبيله الفقراء والمساكين وهذا من ذلك القبيل، والقول الثالث يبيعها ويمسك جميع الثمن، وسنده في الأخذ سند القول الأول إلا أن هذا لا يمسكها بعينها بل يتصرف فيها لتحقق قيمتها، ولعل ذلك إذا قدم صاحبها يدفع له قيمتها ويكون ذلك أحوط له.

قوله: وإن دخل عليها محققة إلخ، يعني أن الريبة إذا دخل عليها مع العلم بأنها ريبة فحالها كحال الحرام، والحاصل أن الإنسان إذا صادف ريبة فتارة لا يقصدها أصلا بل وقع عليها ففيها ما تقدم من الأقوال، وتارة يقصدها إما مع العلم بأنها ريبة أو مع عدم ذلك، فإن كان مع عدم العلم فقد جعلها المصنف رحمه الله كالحرام في الحكم، وإن كان مع عدم ذلك فهي ريبة كالذي يكون في يد من لا يتقي الحرام، فيجب عليه أحد الأمرين إما الرد لأربابها إن أمكن، وإما إنفاق مثلها إن عدمت عينها، وقوله بعد ذلك (فيأثم) يحتمل أن يكون قيدا في جعلها حراما وهو الأظهر؛ لأن الوجه الثاني الذي وقع فيه الرد أو إنفاق مثلها بعيد لحوق الإثم له بعد ما ذكر، مع أنه فعل ما أوجب عليه الشرع من الرد ودفع القيمة، أو يكون قيدا فيها؛ أما في القسم الأول فظاهر وأما في القسم الثاني فيحتمل على ما إذا فعل ذلك من غير توبة، فتكون التوبة لازمة له بعد ذلك لأنه قد فعل معصية، فعليه التوبة على ما هو قاعدة المذهب والله أعلم فليحرر.

قوله: الأموال قبل ورود الشرع إلخ، وليعلم أن الأشياء قبل ورود الشرع فيها أقوال ثلاثة: قيل هي على الحظر وهو الأحوط، ودليله أن العالم أعيانه ومنافعه ملك له تعالى والفاعل تصرف في ملك الله بغير إذنه تعالى وقيل على الإباحة، ودليله أن الله تعالى خلق العبد وما ينتفع به فلو لم يبح له ذلك كان خلقهما عبثا، وقيل بالوقف، ودليله لا يدرى أنه محظور =

6

(1) العدل والإنصاف: ج 1، ص 93. (2) أخرجه الدارقطني (2885) كتاب البيوع، من طريق أنس بن مالك بلفظ: لا يحل مال أمرئ مسلم إلا بطيب نفسه).